عبير كرارزية: كتابة الألم والفكرة.. رحلة من الشغف إلى السلاح في مواجهة الحياة
عبير كرارزية ليست مجرد كاتبة جزائرية تكتب قصصًا وشعرًا، بل هي صوت ينطق بما لا يجرؤ الآخرون على قوله. في زمن تهافتت فيه الكلمات، تحفر عبير في العمق، وتكتب من داخلها، بخبرة الألم والفكر معًا. حوارنا معها اليوم يكشف لحظة الإدراك التي تقول إننا نحن من نكتب قصص نجاحنا بأيدينا، وكيف تتحول الكتابة من شغف إلى سلاح ينير دروبًا كثيرة. هذا الحوار مع عبير هو شهادة على قوة الكلمة حين تخرج من القلب مباشرة.
1. بدايةً… من هي عبير؟
من القلب والعقل والورق، كيف تعرّفين نفسك خارج الألقاب والمطبوعات؟
أنا ابنة الفكرة حين تشتدّ، وابنة الألم حين يشتعل حبرًا. فتاة كرّزية الهوى، فلسفية الفكر، لا تتكئ على لقب ولا تكتفي باسم. أنا التي خرجت من دفاترها الصغيرة لتُوقظ المعنى من تحت الرماد.
كل ما فيّ يُكتب، وكل ما يُكتب فيّ. عبير هي من تصادق الحرف وتُشاكسه، تُمجّد الحقيقة وتُعلي الجمال، تكتب كي لا تموت بصمت.
2. تقولين إن الحبر مقاومة، وإن الحرف لا يُهزم… كيف تحوّلت الكتابة لديك من شغف إلى سلاح؟
منذ اللحظة الأولى، لم تكن الكتابة لديّ زينةً للصفحات، بل درعًا للروح. حين بدأت أدوّن في دفتري الصغير وأنا طفلة في الثامنة، لم أكن أكتب لأتسلّى، بل لأن الكلمات كانت طريقتي الوحيدة للفهم، للصمود، للنجاة. تحوّلت من شغف إلى سلاح حين وجدتني أقاوم بها كل خذلان، كل ظلم، كل انطفاء… ومن حينها، لم أعد أكتب لأُريح قلبي فقط، بل لأوقظ قلوبًا كثيرة.
3. من بين كل إصداراتك الورقية، من “العنقاء” إلى “الوردة البيضاء”، أيّ كتاب شعرتِ أنه أكثر ما يشبهك؟ ولماذا؟
العنقاء، دون تردد. تلك الفتاة التي احترقت وولدت من رمادها، آمنت بالقدر بعد خذلان، ورفعت رأسها عاليًا، كانت تشبهني كثيرًا. كتبتها بقلبي قبل قلمي، ومن خلالها رأيتُ نفسي تشتدّ وتلين، تنهار وتقوم، وتؤمن من جديد… مثل ما آمنت العنقاء في قصة سيدنا سلمان بالحكمة الكامنة في البلاء.
4. “جزائسطين” عنوان يحمل في قلبه وطنَين… كيف وُلدت فكرة هذا العمل؟ وما الذي أردتِ قوله من خلاله؟
ولدت "جزائسطين" من خيط وجعٍ مشترك ودمٍ لا يزال طريًا في الذاكرة العربية. أردت أن أقول إن فلسطين في قلب الجزائر، وإن الجزائر ما زالت تحتفظ بندبة أخيها، وإننا أبناء الوجع نفسه، رغم المسافة. جمعت فيها قلوب أحمد وآسية، كما جمعتُ تاريخين وروحين، ليكون الكتاب جسرًا بين وطنين لا يفصل بينهما سوى الظرف الجغرافي، لا العاطفة ولا الوجدان.
5. ديوانك الشعري “عبير المتنبيّة”، يحمل جرأة الاسم وجمالية الشعر… هل هو حالة وجدانية أم إعلان هوية؟
هو الاثنان معًا. في هذا الديوان، أنا لا أكتب فحسب، بل أُجادل المتنبي نفسه. هو يقول بيتًا، وأنا أقول تحته بيتًا آخر بنفس القوة، بنفس التحدي. ليس تقليدًا، بل مجاراة ندّية، إعلان أن الأنثى أيضًا قادرة على الوقوف بشموخ في حضرة الكلمة. إنه هويتي الشعرية الصافية، وإعلان وُجودي الأدبي بشجاعة.
6. ما الذي تغيّره الكتابة فيكِ كل مرة تنتهين من عمل أدبي جديد؟ وهل يخرج النص كما دخل؟
الكتابة تُقشّرني من الداخل. كل نص أكتبه يُخرج جزءًا منّي، ويُعيد لي جزءًا آخر أنضج وأعمق. لا يخرج النص كما دخل، ولا أخرج منه كما دخلت. أكتب لأفهم نفسي والعالم، وكل مرة، أفهم أكثر أنني ما زلت في بداية الطريق، وأن النصوص تُربيني كما أربيها.
7. المرأة في كتاباتك، من إسراء إلى جيهان، دائمًا حاضرة… هل تكتبين عنها، أم تكتبين نفسك من خلالها؟
أكتب عنها، فأكتب نفسي. لا فرق كبير بيني وبين تلك الشخصيات التي تمر عبر السطور. هي انعكاسات لوجعي، لحلمي، لأسئلتي التي لم أجرؤ أحيانًا على قولها. المرأة في نصوصي ليست مجرد موضوع… هي صوت، هوية، ذاكرة، وتفاصيل امرأة جزائرية فلسطينية الحرف والروح.
8. بصفتك مشاركة في فعاليات ثقافية وأدبية، كيف ترين المشهد الأدبي الجزائري اليوم؟ هل يعكس نبض الجيل فعلاً؟
المشهد الأدبي الجزائري يشهد صحوة جميلة، ولكنها لا تزال تبحث عن أذرع حقيقية تحتضنها وتدعمها. هناك مواهب لامعة، وقلوب تكتب بنزف، لكن الدعم المؤسسي ضعيف. الجيل الجديد يكتب بروح العصر وبصوت الشارع، وهذا يعكس نبضًا صادقًا، لكنه يحتاج لمن يراه ويسمعه دون شروط.
9. ما الذي أضافته لكِ الشهادات في الإلقاء والتدقيق والتنسيق؟ وهل ترين أن الكاتب بحاجة لتكوين شامل أم يكفيه الإلهام؟
الإلهام شرارة، لكن التكوين هو اليد التي تمسك بالقلم بثبات. شهاداتي في التدقيق والتنسيق والإلقاء لم تكن فقط مكملات، بل أدوات صقل ضرورية. حين تحمل قلمًا، أنت تحمل مسؤولية. والمسؤول لا يكتفي بالشغف، بل يتقنه. أنا أؤمن أن على الكاتب أن يُتقن أدواته، لا ليُرضي الآخر، بل ليُجيد نقل رسالته.
10. في زمن السرعة والمحتوى العابر، كيف تحافظ عبير على عمق النص وسط ضجيج السطحيات؟
أعود إلى ذاتي كل مرة. لا أركض خلف "الترند"، ولا أكتب لأُقال، بل لأبقى. العمق لا يُصنع بالتكلّف، بل بالصدق. أقرأ كثيرًا، أصمت كثيرًا، أكتب بعد أن أفهم. وسط الضجيج، أحاول أن أكون النافذة المفتوحة، لا المِزمار العالي.
11. ما الذي يدفعك للاستمرار في الكتابة رغم كل شيء؟ وهل تشعرين أنك اقتربتِ من “لحظة الإدراك” التي تحدّثتِ عنها؟
ما يدفعني هو ذات الدفتر الصغير الذي بدأتُ به. تلك الطفلة التي كانت تكتب بلا جمهور، وبلا وعود. لحظة الإدراك التي تحدثت عنها لا تحدث مرة واحدة، بل في كل مرة أُنهي نصًا وأنا أشعر أنني اقتربت من نفسي أكثر. أكتب لأن الحياة دون كتابة ضوضاء لا تطاق.
12. كيف ترين عبير في المستقبل؟ هل ترسمين لنفسك دورًا معينًا في الحقل الأدبي والثقافي؟
أرى عبير منصة لا قلمًا فقط. أراها مؤثرة، مؤطرة للحرف، منشئة لمساحات تُنقذ المواهب من الضياع. أطمح أن أكون صوتًا لأصوات صامتة، وأحمل الكتاب من يديّ إلى قلوب لا تصلها الكلمات بسهولة. لن أكتفي بالكتابة، سأُكتب كتب كثيرة ، فضاءات حرة للتعبير، ومنابر تحمل الفكر لا الصدى.
13. وأخيرًا… كلمة من عبير الكاتبة إلى عبير الطفلة. ماذا تقولين لها لو قابلتِها الآن؟
سأقترب منها بهدوء، أضمها، وأهمس:
"كل ما خفتِ منه، مرّ. وكل ما حلمتِ به، بدأ. دفتركِ الصغير لم يكن لعبًا، كان بوابة إلى عالمكِ الحقيقي. اكتبي دائمًا، ولا تُخفِي الدموع. فبفضلها ستنبت قصائد، وتُطبع كتب، وتُضاء أرواح."
كل الشكر والامتنان لمجلة إيلزا الأدبية على هذا الاحتفاء الدافئ، والحوار الذي أنعش في الحرف روحه من جديد.
وإلى الصحافية أسماء التي شاركت معي الحوار الشيق
حين نغلق صفحات هذا الحوار مع عبير، ندرك أن الكتابة ليست مجرد مهنة أو هواية، بل هي فعل حياة ومقاومة، لحظة إدراك دائمة. عبير كرارزية تؤمن بأن الكلمات تكتب مصائرنا بأيدينا، وأن الحبر الذي ينساب من قلوبنا يشكل مساراتنا، لا مجرد سطور على الورق. شكرًا لمجلة إيلزا على هذه المساحة التي سمحت لنا بأن نلمس نبض روح كاتبة لا تتوقف عن البحث، ولا تستكين عن الكتابة.
المؤسسة مجلة إيلزا الأدبية للإناث
المديرة بشرى دلهوم
الصحفية أسماء أڨيس
روعة ما شاء الله ردود شبه رائعة، مؤثرة عبير
ردحذف