google-site-verification: google304899934cc37632.html حوار صحفي مع الكاتبة عبير كرارزية التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حوار صحفي مع الكاتبة عبير كرارزية

عبير كرارزية: كتابة الألم والفكرة.. رحلة من الشغف إلى السلاح في مواجهة الحياة
عبير كرارزية ليست مجرد كاتبة جزائرية تكتب قصصًا وشعرًا، بل هي صوت ينطق بما لا يجرؤ الآخرون على قوله. في زمن تهافتت فيه الكلمات، تحفر عبير في العمق، وتكتب من داخلها، بخبرة الألم والفكر معًا. حوارنا معها اليوم يكشف لحظة الإدراك التي تقول إننا نحن من نكتب قصص نجاحنا بأيدينا، وكيف تتحول الكتابة من شغف إلى سلاح ينير دروبًا كثيرة. هذا الحوار مع عبير هو شهادة على قوة الكلمة حين تخرج من القلب مباشرة.

1. بدايةً… من هي عبير؟
من القلب والعقل والورق، كيف تعرّفين نفسك خارج الألقاب والمطبوعات؟
أنا ابنة الفكرة حين تشتدّ، وابنة الألم حين يشتعل حبرًا. فتاة كرّزية الهوى، فلسفية الفكر، لا تتكئ على لقب ولا تكتفي باسم. أنا التي خرجت من دفاترها الصغيرة لتُوقظ المعنى من تحت الرماد.
كل ما فيّ يُكتب، وكل ما يُكتب فيّ. عبير هي من تصادق الحرف وتُشاكسه، تُمجّد الحقيقة وتُعلي الجمال، تكتب كي لا تموت بصمت.

2. تقولين إن الحبر مقاومة، وإن الحرف لا يُهزم… كيف تحوّلت الكتابة لديك من شغف إلى سلاح؟
منذ اللحظة الأولى، لم تكن الكتابة لديّ زينةً للصفحات، بل درعًا للروح. حين بدأت أدوّن في دفتري الصغير وأنا طفلة في الثامنة، لم أكن أكتب لأتسلّى، بل لأن الكلمات كانت طريقتي الوحيدة للفهم، للصمود، للنجاة. تحوّلت من شغف إلى سلاح حين وجدتني أقاوم بها كل خذلان، كل ظلم، كل انطفاء… ومن حينها، لم أعد أكتب لأُريح قلبي فقط، بل لأوقظ قلوبًا كثيرة.

3. من بين كل إصداراتك الورقية، من “العنقاء” إلى “الوردة البيضاء”، أيّ كتاب شعرتِ أنه أكثر ما يشبهك؟ ولماذا؟
العنقاء، دون تردد. تلك الفتاة التي احترقت وولدت من رمادها، آمنت بالقدر بعد خذلان، ورفعت رأسها عاليًا، كانت تشبهني كثيرًا. كتبتها بقلبي قبل قلمي، ومن خلالها رأيتُ نفسي تشتدّ وتلين، تنهار وتقوم، وتؤمن من جديد… مثل ما آمنت العنقاء في قصة سيدنا سلمان بالحكمة الكامنة في البلاء.

4. “جزائسطين” عنوان يحمل في قلبه وطنَين… كيف وُلدت فكرة هذا العمل؟ وما الذي أردتِ قوله من خلاله؟
ولدت "جزائسطين" من خيط وجعٍ مشترك ودمٍ لا يزال طريًا في الذاكرة العربية. أردت أن أقول إن فلسطين في قلب الجزائر، وإن الجزائر ما زالت تحتفظ بندبة أخيها، وإننا أبناء الوجع نفسه، رغم المسافة. جمعت فيها قلوب أحمد وآسية، كما جمعتُ تاريخين وروحين، ليكون الكتاب جسرًا بين وطنين لا يفصل بينهما سوى الظرف الجغرافي، لا العاطفة ولا الوجدان.

5. ديوانك الشعري “عبير المتنبيّة”، يحمل جرأة الاسم وجمالية الشعر… هل هو حالة وجدانية أم إعلان هوية؟
هو الاثنان معًا. في هذا الديوان، أنا لا أكتب فحسب، بل أُجادل المتنبي نفسه. هو يقول بيتًا، وأنا أقول تحته بيتًا آخر بنفس القوة، بنفس التحدي. ليس تقليدًا، بل مجاراة ندّية، إعلان أن الأنثى أيضًا قادرة على الوقوف بشموخ في حضرة الكلمة. إنه هويتي الشعرية الصافية، وإعلان وُجودي الأدبي بشجاعة.

6. ما الذي تغيّره الكتابة فيكِ كل مرة تنتهين من عمل أدبي جديد؟ وهل يخرج النص كما دخل؟
الكتابة تُقشّرني من الداخل. كل نص أكتبه يُخرج جزءًا منّي، ويُعيد لي جزءًا آخر أنضج وأعمق. لا يخرج النص كما دخل، ولا أخرج منه كما دخلت. أكتب لأفهم نفسي والعالم، وكل مرة، أفهم أكثر أنني ما زلت في بداية الطريق، وأن النصوص تُربيني كما أربيها.

7. المرأة في كتاباتك، من إسراء إلى جيهان، دائمًا حاضرة… هل تكتبين عنها، أم تكتبين نفسك من خلالها؟
أكتب عنها، فأكتب نفسي. لا فرق كبير بيني وبين تلك الشخصيات التي تمر عبر السطور. هي انعكاسات لوجعي، لحلمي، لأسئلتي التي لم أجرؤ أحيانًا على قولها. المرأة في نصوصي ليست مجرد موضوع… هي صوت، هوية، ذاكرة، وتفاصيل امرأة جزائرية فلسطينية الحرف والروح.

8. بصفتك مشاركة في فعاليات ثقافية وأدبية، كيف ترين المشهد الأدبي الجزائري اليوم؟ هل يعكس نبض الجيل فعلاً؟
المشهد الأدبي الجزائري يشهد صحوة جميلة، ولكنها لا تزال تبحث عن أذرع حقيقية تحتضنها وتدعمها. هناك مواهب لامعة، وقلوب تكتب بنزف، لكن الدعم المؤسسي ضعيف. الجيل الجديد يكتب بروح العصر وبصوت الشارع، وهذا يعكس نبضًا صادقًا، لكنه يحتاج لمن يراه ويسمعه دون شروط.

9. ما الذي أضافته لكِ الشهادات في الإلقاء والتدقيق والتنسيق؟ وهل ترين أن الكاتب بحاجة لتكوين شامل أم يكفيه الإلهام؟
الإلهام شرارة، لكن التكوين هو اليد التي تمسك بالقلم بثبات. شهاداتي في التدقيق والتنسيق والإلقاء لم تكن فقط مكملات، بل أدوات صقل ضرورية. حين تحمل قلمًا، أنت تحمل مسؤولية. والمسؤول لا يكتفي بالشغف، بل يتقنه. أنا أؤمن أن على الكاتب أن يُتقن أدواته، لا ليُرضي الآخر، بل ليُجيد نقل رسالته.

10. في زمن السرعة والمحتوى العابر، كيف تحافظ عبير على عمق النص وسط ضجيج السطحيات؟
أعود إلى ذاتي كل مرة. لا أركض خلف "الترند"، ولا أكتب لأُقال، بل لأبقى. العمق لا يُصنع بالتكلّف، بل بالصدق. أقرأ كثيرًا، أصمت كثيرًا، أكتب بعد أن أفهم. وسط الضجيج، أحاول أن أكون النافذة المفتوحة، لا المِزمار العالي.

11. ما الذي يدفعك للاستمرار في الكتابة رغم كل شيء؟ وهل تشعرين أنك اقتربتِ من “لحظة الإدراك” التي تحدّثتِ عنها؟
ما يدفعني هو ذات الدفتر الصغير الذي بدأتُ به. تلك الطفلة التي كانت تكتب بلا جمهور، وبلا وعود. لحظة الإدراك التي تحدثت عنها لا تحدث مرة واحدة، بل في كل مرة أُنهي نصًا وأنا أشعر أنني اقتربت من نفسي أكثر. أكتب لأن الحياة دون كتابة ضوضاء لا تطاق.

12. كيف ترين عبير في المستقبل؟ هل ترسمين لنفسك دورًا معينًا في الحقل الأدبي والثقافي؟
أرى عبير منصة لا قلمًا فقط. أراها مؤثرة، مؤطرة للحرف، منشئة لمساحات تُنقذ المواهب من الضياع. أطمح أن أكون صوتًا لأصوات صامتة، وأحمل الكتاب من يديّ إلى قلوب لا تصلها الكلمات بسهولة. لن أكتفي بالكتابة، سأُكتب كتب كثيرة ، فضاءات حرة للتعبير، ومنابر تحمل الفكر لا الصدى.

13. وأخيرًا… كلمة من عبير الكاتبة إلى عبير الطفلة. ماذا تقولين لها لو قابلتِها الآن؟
سأقترب منها بهدوء، أضمها، وأهمس:
"كل ما خفتِ منه، مرّ. وكل ما حلمتِ به، بدأ. دفتركِ الصغير لم يكن لعبًا، كان بوابة إلى عالمكِ الحقيقي. اكتبي دائمًا، ولا تُخفِي الدموع. فبفضلها ستنبت قصائد، وتُطبع كتب، وتُضاء أرواح."
كل الشكر والامتنان لمجلة إيلزا الأدبية على هذا الاحتفاء الدافئ، والحوار الذي أنعش في الحرف روحه من جديد.
وإلى الصحافية أسماء التي شاركت معي الحوار الشيق
حين نغلق صفحات هذا الحوار مع عبير، ندرك أن الكتابة ليست مجرد مهنة أو هواية، بل هي فعل حياة ومقاومة، لحظة إدراك دائمة. عبير كرارزية تؤمن بأن الكلمات تكتب مصائرنا بأيدينا، وأن الحبر الذي ينساب من قلوبنا يشكل مساراتنا، لا مجرد سطور على الورق. شكرًا لمجلة إيلزا على هذه المساحة التي سمحت لنا بأن نلمس نبض روح كاتبة لا تتوقف عن البحث، ولا تستكين عن الكتابة.

المؤسسة مجلة إيلزا الأدبية للإناث 
المديرة بشرى دلهوم 
الصحفية أسماء أڨيس

تعليقات

  1. روعة ما شاء الله ردود شبه رائعة، مؤثرة عبير

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا.بقلم الكاتبة: لانا خربوش

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا. لا أعلم من أنت، ولا كيف وجدت هذه الرسالة، ولا حتى إن كنت تقرأها في لحظة صمت أم وسط ضجيج العالم، لكن إن كانت هذه الكلمات قد وصلت إليك، فهذا يعني أن شيئًا ما أراد لها أن تبقى، أن تُسمَع، أن تعبر الحدود التي لم أكن أراها يومًا. أكتب إليك من زمن لم يعد يشبه نفسه، من مدينة كانت يومًا تنبض بالحياة، لكنها لا تعكس سوى أصداء الماضي. الطرقات هنا تعرف أسماء الغائبين، تحفظ خطواتهم حتى بعد أن غابت أجسادهم، وكأن الزمن يرفض أن يطوي ذكراهم. كنت أحدهم، أمضي دون أن أترك أثرًا يُذكر، أو ربما كنت أعتقد ذلك، حتى أدركت أن ما نتركه خلفنا ليس مجرد أشياء، بل لحظات، كلمات، ومشاعر تختبئ في الزوايا لمن يلتقطها ذات يوم. نحن دائمًا نبحث عن إجابات، نحاول أن نفهم ما لا يُفهم. لكن الحقيقة أن بعض الأسئلة خُلقت لتظل مفتوحة؛ لترافقنا لا لتعطينا يقينًا. كنا نحلم بالخلود، لكننا نسينا أن الخلود ليس أن نبقى، بل أن تظل أجزاء منا تسكن الأزمنة القادمة، في كتاب يُقرأ، في قصة تُروى، في رسالة تصل ولو بعد غياب طويل. هناك أشياء لم تُكتب بعد، وهناك حكايات لم تُروَ. الكاتبة: لانا خربوش

حين يُفكّر المستقبل‏ بقلم الكاتبة: ميس الرّيم جناجرة/ فلسطين ‏

العنوان: حين يُفكّر المستقبل ‏ الساعةُ الثانيةُ من منتصفِ الليل،   ‏وليالي تشرينَ الثاني التي اعتادَ بردُها أن يَنخُرَ الأجساد،   ‏ولكن في هذه الليلة، شِدّةُ التفكيرِ بالمستقبل هي التي نَشَرت جميعَ أجزاءِ جسدي بدلًا من البرد. ‏ ‏وعندما وصلت إلى صدري، وجدتهُ مكتظًّا بما لا يستطيعُ البوحَ به،   ‏ومن شِدّةِ برده، وجدتهُ تارةً يَفترسُ كوبًا من الشاي بِشراسة، علّهُ يَلتحفُ بحرارتها،   ‏وتارةً أخرى، يَجدُها موقدةً مُشتعلة، والحطب... قلبي يُحاولُ إطفاءها. ‏ ‏أمّا مَعِدتي، فَتَلتهمُ التفكيرَ في مستقبلي، تَـمضَغُهُ بقوّة، علّها تُريحني، لكنْ دونَ جدوى.   ‏أَتَقيّأُ ذلكَ التفكير، ويَعودُ مجددًا يُلازِمني، لا يُريدُ مُفارقتي،   ‏ويتغذّى على دُموعي كلَّ ليلة، ليتجدّدَ يوميًا... ويُرهقَني قلقًا على القادم،   ‏وهل ستأخذنا الرحلة كما نسعى؟ ‏ ‏ـ ميس الرّيم جناجرة/ فلسطين

حوار صحفي مع الكاتبة السورية ميشلين موسىفي مجلة إيلزا الأدبية الجزائرية

 حوار صحفي مع الكاتبة: ميشلين موسى في هذا العدد من مجلة إيلزا، نفتح نافذة على تجربة إنسانية تتجاوز حدود المهنة الواحدة، والهوية الواحدة، والمسار الواحد. ضيفتنا في هذا الحوار هي الكاتبة ميشلين موسى، من سوريا، تبلغ من العمر 37 عاماً، حاصلة على شهادة معهد هندسة، وتمتلك تجربة سابقة في مجال التدريس، حيث أسهمت في تنمية مهارات التعليم والتواصل. تكرّس اليوم جزءاً كبيراً من وقتها للقراءة والكتابة، وقد نشرت عدة مقالات في مجلات إلكترونية، مما ساهم في صقل أسلوبها التعبيري وتوسيع رؤيتها الفكرية. إلى جانب ذلك، تعمل في مجال التجميل، حيث تجد شغفها في إبراز الجمال والعناية بالتفاصيل. وهي متزوجة وأم لطفلين، وتسعى دائماً لتحقيق توازن بين حياتها الشخصية وتطورها المهني والذاتي. في هذا اللقاء، لا نتوقف عند السيرة المهنية بقدر ما نحاول ملامسة الخيط الخفي الذي يربط التفاصيل ببعضها، ويحوّل الحياة اليومية إلى مساحة للتأمل والكتابة. 1. من الهندسة إلى التجميل ثم الكتابة… يبدو المسار متنوعًا، لكن ما الخيط الخفي الذي يجمع كل هذه التجارب في حياتكِ؟ الخيط الذي يجمع كل هذه المسارات هو شغفي بالتفاصيل ومحاولتي الدائ...