دُرة
كان الترياق شبيهاً بجرعِ الحياة ، حفنة الأزهار كانت تلثم روحها ، ووثبة البستان خيراً لها من تلك الأروقة الصدئة ، دميتها التي بئست مع عُمرها ، كادت أن تتكلم لولا إطمئنان أهلها عليها كل مُدة ، الزوايا تحفظ العهود ، والوخور ، والصفقات التي عليها ، كانت ظهراً بلا ظهر ، وسنداً بلا سنيدة ، الالوان البراقة تري فيها أملاً ما ، تستنشق منها جمال خفي ، تكسيهِ لأنفها ، لرئتيها ، يسرقهُ بعض شعرها ، تتأمل مرآتها بإفتتان عن نفسها ، تحمد الله وتتسائل :-(ما بها ؟) سُحب ، بحور ، كواكب ، شمس ، غيوم ، محيطات ، ترتدي وشاحاً ، ثم تغلق أبواب الحديث ، تركض حول الأزهار وتعود إبنة الرابعة ، تشتم العبق وتقطف الأبهي ، تتناول شربة من الجدول ، وتستلقي قربه ، تحدق بالأفق ، بدون كلام ، لا تنتظر أحداً ، تنصت لأصوات العصافير ، وتري المهاجرات منهن والعائدات ، تضحك لأنها ليست ورقة تدور وتدور الي أن ترتطم بالأرض وتقول :- (ياويليي لقد وقعت ) تتمسك بجناحي الفراش وتنظر إليهن جيداً ، إن وجدت الارانب تركض معهن وإن لم تجدهن ، تعود مبكراً للمنزل ، تحتضن الوسادة ، وتأكل حصتها من الطعام ، الي حين جلب الترياق لها ثانية ، تتمطي راحلة عالمٍ آخر ، يمسد لها هواء الغرفة ، ويهُبها النسيم العازف ، يقرأ لها الفانوس قصةً قصيرة ، وتفرحُ بها أسرةُ الغرفة ، الي حين مجئ الطارق ، تؤمي برأسها ثم تبتسم ، يدخل الطارق ، تنزل ساقيها ، يستريح ثم يبدأ بالحديث ، تتحدث هي ، عُودٌ يعزف ألحاناً كلاسيكية ، أطباق أخري بين يدي الطارق ، قهقهةُ وتململ ، تمسيدُ وإتكأ ، ثوانٍ مرت ، الشمس حبوت ، والرياح تعثرمت ، سكن المقيل ، هوانُ وهبة ، أسدلت لي شعري ، غيرت تسريحتي ، رتبت أوعيتي ، قالت :- (لا تتحركِ) برأفةٍ حدثتني ، قالت لي :- (ستغير دُميتي ) رشت رقبتي بالعطر وقلبُ كفاي ، ناولتني الترياق ، حنظل ومُر ، كشرت وجهي ثلاث ، مسدت ظهري مناوبة ، جعلتني أستلقي بيميني ، غطتني وذهبت ، لم تُطفي المصباح ، ظنتني أخاف ؛ فأغلقتهُ لأري كم عدد النجوم هذا المساء ! .. لمحةُ من السماء ، وأخري من المجرة ، ولا بأس للأزرقين ، والشمس و الغيوم .
الكاتبة إيلاف الطيب.
فخامة اللفظ و المعنى
ردحذف