أخاف التعلّق كما لو أنّه طعنة مؤجلة، لا تأتي من ظهر الحياة، بل من وجه القلب نفسه
أخاف أن أمدّ يدي نحو شيء جميل فأكسره دون قصد
أخاف أن أحتضن أحدهم بكل قوّة الشوق المتخم في صدري
فيذوب مني، يتبخر، يُمحى كأنّه لم يكن،
ويتركني معلّقة في منتصف الذكرى، لا أنا التي وصلت، ولا أنا التي نسيت
كلما أحببت شيئًا، خبأته في قلبي كمن يخبئ قنبلة موقوتة
أحبه بصمت، من بعيد، دون حركات زائدة قد تفسد كل شيء
أمشي حوله بخفّة راقصة في حقل ألغام
أخاف أن أفرح به أكثر من اللازم، أن أعلّق قلبي على كتفه
ثم أُفاجأ بأنّه ليس لي، لم يكن لي، ولن يكون
ألمسه بعيني فقط، أرتب ملامحه في ذاكرتي
وأهرب
ثم أعود كل مساء لأبكي غيابي عنه
وكأنني لست من قرّر أن يبتعد
أخاف أن تُمسك يدي، فأتورّط في نبضك
أخاف أن تقول لي: ابقَي ،فأبقى العمر كلّه رغمًا عن خوفي، رغمًا عن خوفي منك وعليك
أخاف أن أستكين، أن أشعر بالأمان أخيرًا
أن أطمئن لك، أن أهدأ إليك، أن أرتّب أيامي حولك
فأصحو ذات صباح على غيابك
وأسير وسط أنقاض نفسي باحثة عنك وعنّي
كل الأشياء التي أحببتها، تركتها قبل أن تتركني
تركتها وأنا أضحك أحيانًا، وأحيانًا أرتجف،
وأحيانًا أنزف بصمت كأن أحدًا مزّق قلبي بقطن لا يُصدر صوتًا
وكل الذين أحببتهم، لوّحت لهم من خلف الزجاج
وتركت في الهواء كلمات لم تُقال، وأسرار لم تُفصح، ووداعات لم تُكتمل
كتبت لهم رسائل طويلة، نزفت فيها روحي
ثم مزقتها
وأخفيت الحبر عن الأوراق، كأنني لم أكن
لم أُكمل شيئًا قطّ: لا كتابًا، لا حكاية، لا حبًا
لأنني دائمًا ما أظن أن النهاية ستقتلني
وأن معرفتي بها ستسحب من قلبي آخر ذرة نجاة
أنا التي أتعبني الترقب، وأرهقني الحذر
أخاف من السطر الأخير، من سقوط الستارة
من لحظة الوداع التي تأتي بلا استئذان
وتختطف دفءَ العالم من عينيّ
لم أقل يومًا “أحبك” إلا وهمست بعدها في داخلي:
“اللهم احمني من فقده”
لأن الحب في لغتي لا يأتي إلا مقرونًا بالخسارة
ولا ينبت إلا فوق مقابر التجارب القديمة
ولا يعيش إلا تحت ظل سؤالٍ قاتل:
وماذا لو رحل؟
وماذا سيبقى مني لو غاب؟
أنا لست جبانة
أنا فقط أحبّ الأشياء من جهة الخوف
أراها جميلة جدًا لدرجة أنني لا أحتمل احتمالية زوالها
أنا لا أخاف الحب
أنا فقط أخاف أن أحبك كما لم أحب شيئًا من قبل
ثم تستيقظ يومًا، وتقرر أنك اكتفيت مني
أنك شفيت منّي
أنك لم تعد ترى فيني ما كنت تراه يومًا
لهذا أُخفي حبي كما يُخفي الطفل لعبته المفضّلة حين يخاف أن تُسرق
أحرسه بنفسي، وأدفنه تحت وسادتي كل مساء
وأنا أنام فوقه، خائفة منه، خائفة عليه،
ولا أحد يعلم أن هذا القلب
رغم كل شيء
مليء بحبٍّ لا يُطاق
الكاتبة مريم أبو قاضوم الأردنية
بالتوفيق ♥️
ردحذف