التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أخاف التعلق بقلم الكاتبة مريم أبو قاضوم الأردنية

أخاف التعلّق كما لو أنّه طعنة مؤجلة، لا تأتي من ظهر الحياة، بل من وجه القلب نفسه
أخاف أن أمدّ يدي نحو شيء جميل فأكسره دون قصد
أخاف أن أحتضن أحدهم بكل قوّة الشوق المتخم في صدري
فيذوب مني، يتبخر، يُمحى كأنّه لم يكن،
ويتركني معلّقة في منتصف الذكرى، لا أنا التي وصلت، ولا أنا التي نسيت
كلما أحببت شيئًا، خبأته في قلبي كمن يخبئ قنبلة موقوتة
أحبه بصمت، من بعيد، دون حركات زائدة قد تفسد كل شيء
أمشي حوله بخفّة راقصة في حقل ألغام
أخاف أن أفرح به أكثر من اللازم، أن أعلّق قلبي على كتفه
ثم أُفاجأ بأنّه ليس لي، لم يكن لي، ولن يكون
ألمسه بعيني فقط، أرتب ملامحه في ذاكرتي
وأهرب
ثم أعود كل مساء لأبكي غيابي عنه
وكأنني لست من قرّر أن يبتعد
أخاف أن تُمسك يدي، فأتورّط في نبضك
أخاف أن تقول لي: ابقَي ،فأبقى العمر كلّه رغمًا عن خوفي، رغمًا عن خوفي منك وعليك
أخاف أن أستكين، أن أشعر بالأمان أخيرًا
أن أطمئن لك، أن أهدأ إليك، أن أرتّب أيامي حولك
فأصحو ذات صباح على غيابك
وأسير وسط أنقاض نفسي باحثة عنك وعنّي
كل الأشياء التي أحببتها، تركتها قبل أن تتركني
تركتها وأنا أضحك أحيانًا، وأحيانًا أرتجف،
وأحيانًا أنزف بصمت كأن أحدًا مزّق قلبي بقطن لا يُصدر صوتًا
وكل الذين أحببتهم، لوّحت لهم من خلف الزجاج
وتركت في الهواء كلمات لم تُقال، وأسرار لم تُفصح، ووداعات لم تُكتمل
كتبت لهم رسائل طويلة، نزفت فيها روحي
ثم مزقتها
وأخفيت الحبر عن الأوراق، كأنني لم أكن
لم أُكمل شيئًا قطّ: لا كتابًا، لا حكاية، لا حبًا
لأنني دائمًا ما أظن أن النهاية ستقتلني
وأن معرفتي بها ستسحب من قلبي آخر ذرة نجاة
أنا التي أتعبني الترقب، وأرهقني الحذر
أخاف من السطر الأخير، من سقوط الستارة
من لحظة الوداع التي تأتي بلا استئذان
وتختطف دفءَ العالم من عينيّ

لم أقل يومًا “أحبك” إلا وهمست بعدها في داخلي:
“اللهم احمني من فقده”
لأن الحب في لغتي لا يأتي إلا مقرونًا بالخسارة
ولا ينبت إلا فوق مقابر التجارب القديمة
ولا يعيش إلا تحت ظل سؤالٍ قاتل:
وماذا لو رحل؟
وماذا سيبقى مني لو غاب؟

أنا لست جبانة
أنا فقط أحبّ الأشياء من جهة الخوف
أراها جميلة جدًا لدرجة أنني لا أحتمل احتمالية زوالها
أنا لا أخاف الحب
أنا فقط أخاف أن أحبك كما لم أحب شيئًا من قبل
ثم تستيقظ يومًا، وتقرر أنك اكتفيت مني
أنك شفيت منّي
أنك لم تعد ترى فيني ما كنت تراه يومًا
لهذا أُخفي حبي كما يُخفي الطفل لعبته المفضّلة حين يخاف أن تُسرق
أحرسه بنفسي، وأدفنه تحت وسادتي كل مساء
وأنا أنام فوقه، خائفة منه، خائفة عليه،
ولا أحد يعلم أن هذا القلب
رغم كل شيء
مليء بحبٍّ لا يُطاق
الكاتبة مريم أبو قاضوم الأردنية 

تعليقات

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حوار صحفي مع الكاتب محمد بالحياني مع مجلة إيلزا الأدبية للإناث

حوار مع الكاتب والأستاذ محمد بالحياني المقدمة: هناك كُتّاب لا يكتبون لمجرد الكتابة، بل يحاولون أن يتركوا أثرًا، أن يحركوا شيئًا في القارئ، أن يجعلوا الكلمات مرآة تعكس واقعًا أو خيالًا يحمل بصماتهم الخاصة. محمد بالحياني، أحد هؤلاء الذين اختاروا أن يكون الحرف سلاحهم، والرؤية عماد نصوصهم. في هذا الحوار، نقترب من تجربته، نغوص في أفكاره، ونكشف أسرار رحلته الأدبية. المعلومات الشخصية: الاسم: محمد بالحياني السن:27سنة البلد:الجزائر- البيض الموهبة:كاتب الحوار: س/ مرحبا بك محمد تشرفنا باستضافتك معنا اليوم بداية كيف تعرف نفسك لجمهورك ومن يتابعك دون ذكر اسمك؟  ج/في الغالب أكون متحدث سيئ عن نفسي، لكن يمكنني أن أختصر بالفعل وأقول محمد عبد الكريم بلحياني ، من ولاية البيض بالضبط بلدية المحرة ، عاشق للكتابة ورائحة الكتب ، اعمل اداري للصحة العمومية ،  انسان مهووس بتفاصيل التفاصيل ، عاشق للكتابة وما يحيط بها من حالات متناغمة من الوحدة، الجمال، والتناسق مع الطبيعة ، كان اول مؤلف لي بعنوان الخامسة صباحًا الذي شاركت به في المعرض الدولي للكتاب سيلا 23  وثاني عمل كان رواية بعنوان بروخيريا التي ش...

( الشيروبيم) بقلم الكاتبة مروة صالح السورية

( الشيروبيم) مقدمة: في مكانٍ ما على سطح وجهها النقي ارتفعت الأمواج وأغرقت جُزراً بنية تحدّها شطآن وردية هذه الجزر التي لا نبحر إليها بل تبحر بنا إلى عالم لا يعرف الحروب ولا الجراح يقال إن الملائكة لا تُرى لكن هنا... ترسل السماء نوراً يجعل الزمن يحني رأسه إجلالاً لهذه اللحظة الخالدة التي سنشاهد فيها الشيروبيم يتجلى على هيئة ابتسامة تطوي المسافة بين الغرق والنجاة وتحيي الأمل في قلب كل من يؤمن بالأساطير وبأن حياةً جديدة قد تولد بعد الغرق النص: حين تبتسم تعلو أمواج خديها فتُغرق جُزر عينيها البنيتين وتُحلّق الفلامينغو من شطآن جفنيها الورديتين تلك الجزر وشطآنها التي تنقذني كلما واجهت تيارات بحر الحياة فأمكث بها لاكتشاف أساطير حبٍ جديدة حين تبتسم وفي منتصف شفتها العلوية يبسط طائر النورس جناحيه فتتوازن خطواتي وتتلاشى انكساراتي حين تضحك تدندن ضحكاتها على أوتار عمري فتصدر سمفونية سلام تنهي حروبًا وتشفي جراحًا لا علاقة لها بها حين تضحك تنكشف ثماني لآلئ بيضاء تنثر النور في ظلمات أيامي ويولد الفجر من جديد إنها ليست مجرد حركة شفاه... إنها لحظة خلود تتوقف عندها كل الأزمنة ومن رحم هذا السكون تُولد أع...

حوار مع الكاتبة الصاعدة صارة قعلول: "بين شغف الحرف وبزوغ الإبداع"

حوار مع الكاتبة الصاعدة صارة قعلول: بين شغف الحرف وبزوغ الإبداع المقدمة: لكل كاتب لحظة فارقة، تلك اللحظة التي يدرك فيها أن الكلمات ليست مجرد حبر على ورق، بل نبض يكتب به الحياة. وبعض الأصوات الأدبية، وإن لم تحطّ بها الأضواء بعد، تمتلك وهجًا خاصًا يجعلها تتوهج في سماء الإبداع. اليوم نفتح نافذة على عوالم كاتبة واعدة، جعلت من الكتابة طريقًا للبوح، وللحلم، وللتأثير. صارة قعلول، اسم يشق طريقه بثبات في دروب الأدب، مسكونة بشغف لا يهدأ، ورؤية تحاول أن تصنع بصمتها الخاصة. في هذا الحوار، نقف عند محطات رحلتها، نقترب من تفاصيلها، ونكتشف التحديات التي واجهتها والأحلام التي لم تكتب بعد. البطاقة الشخصية: الاسم: صارة قعلول العمر: 19 سنة البلد: الجزائر الموهبة: الكتابة الإبداعية الحوار: س/ صارة، نرحب بكِ في هذا اللقاء. لو طُلب منكِ أن تعرّفي نفسك لجمهورنا دون ذكر اسمك، فكيف سيكون تعريفك؟ ج/فتاة من ورق حُصِد زرعها قبل تسعة عشر ربيعا، دودة كتب شغوفة بالمطالعة، مولوعة باللغة ومدركة لقيمة الكلمة فاختارت الغوص في مجال الأدب والصحافة. س/ لكل كاتب لحظة شرارة أشعلت فيه حب الكتابة. متى كانت لحظتك الأولى؟ وهل شعر...