عنوان :عين الشمس الأخيرة
الكاتبة الروائية والمؤلفة:صليحة جابي (sällÿ)
_قبل أن تُسمّى الأيام، وقبل أن تتعلّم السماء كيف تحمل الضوء، كانت الشمس كائنًا حيًّا، تتنفس مع الأرض وتشيخ معها. لم تكن قرصًا مشتعلًا في العلو، بل روحًا تسكن كل ما ينمو، وكل ما ينبض، وكل ما يتجه وجهه نحو النور.
عرف الأزتيك هذه الحقيقة.
لم يروْا الشمس إلهًا يُخشى، بل عهدًا يجب الحفاظ عليه.
كانوا يقولون إن الشمس تحتاج إلى توازن،فإن زاد نورها احترق العالم،
وإن خبا ضوءها، ابتلعت الظلال البشر والآلهة معًا.
في قلب العاصمة المقدسة، حيث كانت الطبول تُوقظ الحجر، زُرعت أول زهرة عباد شمس. لم تُزرع من بذرة، بل من دم الشمس نفسه، حين سال لأول مرة بسبب نسيان البشر للميزان القديم. كانت الزهرة ذهبية كالفجر، وعينها داكنة كليلةٍ تعرف الأسرار. ومنذ ذلك اليوم، صارت عباد الشمس مرآة الشمس على الأرض، تدور حيث يدور الوعي.
لكن الزمن لا يرحم العهود.
بدأ البشر يطلبون القوة دون الحكمة، والنور دون النظام. ارتفعت الصلوات، لكنها كانت خاوية من الفهم. فاهتز قلب الشمس، وارتجفت السماء، وأدرك الكهنة أن النهاية تقترب.
اجتمع حكماء الأزتيك في ليلة بلا قمر، ورسموا دائرة على الأرض دائرة لا بداية لها ولا نهاية. داخلها نقشوا الماندالا الأولى: خريطة الكون، أنفاس النجوم، ومسارات الأرواح بين العوالم. كانت الماندالا لغة لا تُقرأ بالعين، بل بالروح.
ثم فعلوا ما لم يجرؤ أحد على فعله:
قسموا قلب الشمس.
نصفه أودعوه في زهرة عباد الشمس، ليبقى الضوء حيًا، نابضًا، مرئيًا.
ونصفه الآخر حبسه الكهنة في الماندالا، ليُقيّد الفوضى ويمنع النور من التحول إلى دمار.
ولكي لا يُساء استخدام القوة، خُتم القلب في لوحة، لا تفتح إلا لمن يحمل التوازن في داخله. لا محارب، ولا كاهن، بل روح تعرف متى تضيء ومتى تصمت.
سقطت الإمبراطورية، وتكسرت المعابد، ودُفنت الأسطورة تحت الغبار. غير أن اللوحة نجت، تنتقل من يدٍ إلى يد، من امرأةٍ إلى أخرى، لأن الشمس لا تثق إلا بالذاكرة الحيّة.
بعد قرون، في زمنٍ نسي فيه البشر كيف ينظرون إلى السماء، وصلت اللوحة إلى المختارة الأخيرة.
لم تكن تعلم لماذا تشعر بالدفء كلما نظرت إليها، ولماذا يخفق قلبها عند تلك الدائرة الداكنة في مركز الزهرة. لكنها حين وقفت أمامها في صمت، انفتح الزمن.
تحركت الماندالا، لا كرسوم، بل كمدارات.
أشرقت الزهرة، لا كلون، بل كنَفَس.
وسمعت صوتًا بلا صوت يقول:
"النور بلا نظام نار،
والنظام بلا نور قبر."
مدّت يدها، لا لتأخذ، بل لتوحّد. وعندما التقى النصفان، لم تنفجر الشمس، بل استقرّت. لم تعد إلهًا بعيدًا، بل وعيًا يسكن البشر.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الشمس وحدها في السماء.
صارت في كل من يفهم أن الطبيعة ليست موردًا، بل شريكًا.
وفي كل من يرى في الزخرفة قانونًا، وفي الزهرة رسالة.
وفي كل من يدرك أن التوازن هو الخلود.
وهكذا بقيت الأسطورة،
لا تُروى بالكلمات،بل تُرى في لوحة،
تُدعى:
عين الشمس الأخيرة.
العنقاء العنقاء (phénix)
الفنانة التشكيلية آمنة العوض
تعليقات
إرسال تعليق