ظننتهُ أنا بقلم إيلاف الطيب.

ظننتهُ أنا 
في الثالثةِ عصراً بعدما فُطنت الشمس من حرها اللاذع ، أدار مقود سيارته وإتجه للمنزل حيث الأمان والراحة ، صانعاً قهوة بالزنجبيل تُهديُّ أفكاره ، إتصلت عليه بعد ثوانِ : وصلتَ كويس؟ 
أجابها : أي كويس ، إنتِ كيف ؟
قالت : الحمدللّه كويسة . 
تصاعدت مشاعرُ كثيرة ، وأسئلةُ تضج بالبال ، فرمَقتهُ بإحداها قائلةً : مُشتاقين !
أجابها : بالأكتر والله .
قالت : لكن شوقك م زي شوقي ؟
أجابها : إنتِ م شفتيهو لكن ، تقولي أنفضو من صدري نفض.
ضحكت وقالت : أريده اكثر من ذاك !
صمت ولم يُجيب . 
للهويّ رُمحٌ قاسٍ ، فحينما تتصاعد الكلمات تتخدر المشاعرَ لبُرهة وتتسائل : أي ردٍ سيكون أشمل ؟
كُل ما في الأمر أنه ينال أفضل رُزمة ، وأجمل إيقاع ، رُغماً عن جأشتهِ بقوة ، إلا أنه لين سهل القيادة ، يبحث في النفسِ عما تريده ، عما تشعُر به ويتجدد داخلها ، هو لُغة أخري لمن خطاها ، وكبل أصفادها ، مُشتعلُ ، وثقيلُ ، بُردته طلةُ أو سؤالٌ من الطرفِ الآخر ولو كان عادياً . 
تحت شجرةِ التبلدي العِملاقة تجلس أُمي ، تهُب الرياح من كُل جانب ، بجانبها (زير : وهو وعاءَ مصنوعٍ من الفخار ) شربت كوب ماءٍ ثم قُلت لها : أجيك تسرحي لي شعري يا يُمة ؟ 
أجابت: تعالي وجيبي معاك المُصلاية . 
بدأت بسلكهِ ثُم تقسيمهِ فأخبرتُها بحال فؤادي: أنا بحبو وم برضي فيهو يا يُمة ♡
قالت الأُم : شايفاك يا بتي وحاسة بيك ، وكُل ما يجي بشوف الضحكة في وشك .
ضحكت ثُم قالت: وريني أتصرف كيف؟
قالت الأُم : أمسكي قلبك وإتعاملي بالحُسني ، انا أُمك وصحبتك طوالي كلميني!
قالت : إن شاءالله . طوالي بجيك .
قالت الأُم : أهم حاجة بين أيّ اتنين الإحترام ، فاهماني؟
قالت : أيّ فهمتك . 
رفعت الأُم يديها للسماءَ قائلةً : إن شاءالله يكون من نصيبك ، وربنا يقدم ليك الخير دائماً ويحفظك ويغتيكم يارب. آمين . 
 بين ليلةٍ ونهارُها عزمتُ على إكمال مهاميِ بدقةٍ ونشاط ، رأيت ٌ الحياة بنافِذةٍ أُخري ، قوس قُزحٍ رُسمْ وأبهجني ، في الكوب ، في المياه ، في الجُدران أتخيلهُ ، كُنت أراهُ مِرآةً لي ، حينما أضحك يضحك ، حينما أبكي يبكي ، تُوقت إليهِ وبشدة . 
بعد عامٍ آخر 
  أتذكر أن الوقت كان ضُحيً ، الإفطارُ على النار ،الأوراقُ منثورةٌ على الساحة ، وزهور الريحان تُعطِرٌ المنزل ؛ كُنت مشغولةٌ بالترتيب ؛ فطرق الباب على عجلة ، فتحت الباب وسلمتُ عليه ، ترك لي وصيةً لأبي ، ثم رحل بلا أيّ حديث بيننا .
تسائلت في نفسي : 
يا ربي مالو ما سألني من الدراسة ؟ 
ولا قال لي : كيف إنتِ أصلاً !؟؟ 
مشغول للدرجة دي ولا الحاصل شنو ؟... 

 
 مرت سنتين وخلصت دراستي الحمدللّه . 
إتصل عليّ يوم الجمعة  
     هو : آلو . سلام عليكم .
    أنا : وعليكم السلام والرحمة والبركة. 
    هو : كيفك إن شاءالله بخير؟!
      أنا : بخير الحمدللّه ، كيف إنت؟
    هو : طيب الحمدللّه . عايز أكلمك بخبر 
      أنا : قول ، سامعاك!؟ 
        هو: أنا إرتبطت بواحدة جنبنا هنا ، وحبيت أكلمك عشان لو لسة .. 
أغلقتُ الخط ووضعت يدايّ خلف رأسي ، بحثت عن مدخلٍ يُدخلني الأرض ولم أجدْ ، بكيت حتي تورمتْ عيناي ، تشنجتُ لدقائِق ، طبطب علّيَ الليلُ ، وأشفقتْ عليَّ النُجوم ، بِتُ ليلتي بالسجادة ، بلا نُواحٍ ولا ضجيج ، نظرتُ لكُل شيء بطريقةٍ عادية ، لم أجد الحُبَ إلا فيّ . 
تذكرتُ حينما وعدني بأنهُ سيقضي العُمر معي ، وسنخطو جميع المصائب معاً ، ولكن بعد تلك العثرة وجدتُ نفسي قادرةً على الكثير ولكن ما كُسر في الروح لا يُرمم بسرعة .
 
ظننتهُ أنا لكن كان شخصاً آخر ، بروحٍ أُخري ، وحياة أُخري ، يَمليِ وقتهُ بما يشاء .

وفي النهاية قدر اللهُ ما شاءَ فعل ، رُبما يكون درساً لمعرفةٍ أهمية القلب والمشاعر وضرورةً إعطاءها لمن يَحفظها لا من يُتلفها .

إيلاف الطيب.

اضف تعليق

أحدث أقدم