google-site-verification: google304899934cc37632.html نداء من تحت الرمال بقلم الكاتبةمونيا بنيو منيرة التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نداء من تحت الرمال بقلم الكاتبةمونيا بنيو منيرة

نداء من تحت الرمال 

لم تكن مكتبة الجامعة يومًا مجرد رفوفٍ صامتة، وكنت أعرف ذلك… لكنني لم أتوقع أن يكون أول سرٍّ يوقظ النبض في قلبي مجرد ورقة!

ورقةٌ وحيدة، صفراء، مختومة بختمٍ قديم انطمست ملامحه، تتوسطها صورة لا تنتمي لعصرنا، وحولها كلمات غامضة كأنها نجت من عتمة آلاف السنين.

ساورني إحساسٌ لا تفسير له… إحساس بأن أحدهم كتبها لأجلي أنا.

همستُ بخفوت، بينما أزيح طبقات الغبار عنها:
"لكل غموضٍ مفتاحه… ولكل سعيٍ نتيجته."

لكن الهمس تحطّم أمام صراخٍ اخترق صمت القاعة:
ـ "أستاذة هدى! الطلاب أحدثوا فوضى… الوضع خارج السيطرة!"

وحين دفعتُ باب القاعة، ارتدّ الطلاب إلى أماكنهم بسرعةٍ غير بشرية، كأن الظلال كانت تطاردهم. نظرتُ إليهم نظرةً واحدة… فنزل السكون دفعةً واحدة.
صرخت:
ـ "لا أريد حتى نفسًا زائدًا! ومن يكرّر الفوضى محرومٌ من الحصة القادمة ودروس الدعم."

كنت صارمة، نعم…
لكن الانضباط كان سلاحي الوحيد في عالمٍ ينهش تركيز هذه الأجيال.

ـ "ما آخر ما درسناه؟"

فوجئت بحماسٍ جماعي:
ـ "العصر القديم يا أستاذة… المغارات القديمة!"

تجمّد داخلي للحظة. المغارات؟
الموضوع نفسه الذي لامسته الورقة المريبة.

حتى طارق… الطالب الكسول الذي نادرًا ما يرفع رأسه… وقف يشرح آخر فقرة من درس المغارات، كأنه يريد أن يُثبت شيئًا.
وكأن الجميع… من دون أن يشعروا… كانوا يدفعونني نحو شيءٍ ما.

سرحت قليلًا. شعرتُ كأن شيئًا يضغط على ذاكرتي، كأن صوتًا قديمًا يهمس في أعماقي.

ثم قلت فجأة:
ـ "لن نكمل الدرس اليوم. الأسبوع القادم نبدأ سلسلة جديدة… عن أعمق منطقة في صحرائنا الكبرى. وكل واحد يُحضّر مقالة كاملة."

عمّت الدهشة الوجوه. كانوا ينتظرون تتمة الدرس بشغف… لكنها لم تعد تهمّني بعد الذي وجدته بين صفحات الكتب في الصباح.
شعرتُ بأن خيطًا خفيًا يشدّني نحو سردابٍ مجهول.

بعد انتهاء الحصة، غادر الطلاب تاركين على مكتبي رسائلهم الصغيرة وهداياهم البسيطة.
أحتفظ بكل شيء… أخبئه في صندوقٍ بغرفتي الجامعية، كأنني أتمسّك بما يمنحني طلابي من دفءٍ عوضًا عن الدفء الذي فقدته منذ زمن.

فلا شيء ينتظرني في بيت أبي… فقط زوجةُ أبٍ قاسية، وأبٌ شيخٌ تلاشت ملامح اهتمامه منذ رحيل أمي، وأخٌ سافر إلى المجهول.

كنت أعيش سكينة اكتسبتها بصعوبة… سكينة أخشى أن يُفسدها أي صوت.

تلك الليلة، خرجتُ إلى الشرفة أقرأ كتابًا جذب عنوانه انتباهي، لكن شيئًا آخر جذب عيني…

شيخٌ طويلٌ، أسمر البشرة، يرتدي زيًّا صحراويًا عتيقًا: شتش، وبرنوس، وسروال الشلقة.
كان يقف تحت شرفتي مباشرة، ويتمتم بكلمات لم أسمع مثلها قط…
الكلمات نفسها التي قرأتها في الورقة المختومة.

تجمّدت.
كيف دخل الحرم الجامعي؟ ولماذا كان ينظر مباشرة نحو الرواق الذي أقطنه؟
لم يكن أحدٌ يعبر تلك الساحة في هذا الوقت المتأخر.

شعورٌ غريب لامس قلبي…
ليس خوفًا… بل اعترافًا.
كأن روحي تعرفه منذ زمن.

فكرت في أن أنزل إليه… أسأله… أفهم.
لكن الجامعة كانت فارغة، والليل يتثاقل على الأرواح.

في الصباح بحثت عنه.
لا أحد رآه.
لا طالب، لا عامل، لا إداري…
وبعض الأساتذة ضحكوا ساخرين حين وصفت مظهره.

لكنني لا أخطئ الوجوه.
وذلك الرجل… لم يكن من عالم الصدف.

عدت إلى مكتبي لأتابع كتابة مقالاتي التاريخية؛ أعرف أنها ستفتح أبواب انتقاداتٍ كثيرة… وربما صراعات.
لكن الحقيقة لا تهرب من الجريء… وأنا تعبت من الجري.

رن الهاتف.
رقمٌ مجهول.

ـ "ألو؟"

جاءني صوت رجلٍ مسن، مشبع بالحزن والغموض:
ـ "أنتِ الأستاذة هدى… أليس كذلك؟"

ـ "نعم. من معي؟"

ـ "أنا الشيخ صالح… مدير المتحف والآثار التاريخية."

شعرت بقشعريرة.
لم أتعامل معه يومًا، ولا يعرف رقمي أحد خارج الدائرة الجامعية.

تابع بصوتٍ واثق:
ـ "أريد رؤيتك غدًا في المتحف البلدي. هناك أوراق وأبحاث ناقصة… وأظن أنها تخصك."

قلت بارتباك:
ـ "لكن يا شيخ… أنا لست باحثة رسمية."

ضحك ضحكة قصيرة تخفي وراءها شيئًا أعمق:
ـ "أنتِ لا تحتاجين شهادة… موهبتك تكفي. أنتِ تحلّين ما عجز عنه الزمن. وما لدي سيغيّر كل شيء."

ثم… همس بالكلمات نفسها التي قالها الشيخ تحت الشرفة.

تجمّد الدم في عروقي.

وقبل أن أنطق، قال:
ـ "انتظرينا غدًا… لا تتأخري يا هدى."

وانقطع الخط.

وتركتني المكالمة وحيدة…
لكنني، لأول مرة منذ سنوات، شعرت بأنني لست وحيدة حقًا.
شيء ما… أو أحد ما… اقترب مني كثيرًا.
وربما… كثيرًا جدًا.

الكاتبة :مونيا بنيو منيرة

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا.بقلم الكاتبة: لانا خربوش

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا. لا أعلم من أنت، ولا كيف وجدت هذه الرسالة، ولا حتى إن كنت تقرأها في لحظة صمت أم وسط ضجيج العالم، لكن إن كانت هذه الكلمات قد وصلت إليك، فهذا يعني أن شيئًا ما أراد لها أن تبقى، أن تُسمَع، أن تعبر الحدود التي لم أكن أراها يومًا. أكتب إليك من زمن لم يعد يشبه نفسه، من مدينة كانت يومًا تنبض بالحياة، لكنها لا تعكس سوى أصداء الماضي. الطرقات هنا تعرف أسماء الغائبين، تحفظ خطواتهم حتى بعد أن غابت أجسادهم، وكأن الزمن يرفض أن يطوي ذكراهم. كنت أحدهم، أمضي دون أن أترك أثرًا يُذكر، أو ربما كنت أعتقد ذلك، حتى أدركت أن ما نتركه خلفنا ليس مجرد أشياء، بل لحظات، كلمات، ومشاعر تختبئ في الزوايا لمن يلتقطها ذات يوم. نحن دائمًا نبحث عن إجابات، نحاول أن نفهم ما لا يُفهم. لكن الحقيقة أن بعض الأسئلة خُلقت لتظل مفتوحة؛ لترافقنا لا لتعطينا يقينًا. كنا نحلم بالخلود، لكننا نسينا أن الخلود ليس أن نبقى، بل أن تظل أجزاء منا تسكن الأزمنة القادمة، في كتاب يُقرأ، في قصة تُروى، في رسالة تصل ولو بعد غياب طويل. هناك أشياء لم تُكتب بعد، وهناك حكايات لم تُروَ. الكاتبة: لانا خربوش

حين يُفكّر المستقبل‏ بقلم الكاتبة: ميس الرّيم جناجرة/ فلسطين ‏

العنوان: حين يُفكّر المستقبل ‏ الساعةُ الثانيةُ من منتصفِ الليل،   ‏وليالي تشرينَ الثاني التي اعتادَ بردُها أن يَنخُرَ الأجساد،   ‏ولكن في هذه الليلة، شِدّةُ التفكيرِ بالمستقبل هي التي نَشَرت جميعَ أجزاءِ جسدي بدلًا من البرد. ‏ ‏وعندما وصلت إلى صدري، وجدتهُ مكتظًّا بما لا يستطيعُ البوحَ به،   ‏ومن شِدّةِ برده، وجدتهُ تارةً يَفترسُ كوبًا من الشاي بِشراسة، علّهُ يَلتحفُ بحرارتها،   ‏وتارةً أخرى، يَجدُها موقدةً مُشتعلة، والحطب... قلبي يُحاولُ إطفاءها. ‏ ‏أمّا مَعِدتي، فَتَلتهمُ التفكيرَ في مستقبلي، تَـمضَغُهُ بقوّة، علّها تُريحني، لكنْ دونَ جدوى.   ‏أَتَقيّأُ ذلكَ التفكير، ويَعودُ مجددًا يُلازِمني، لا يُريدُ مُفارقتي،   ‏ويتغذّى على دُموعي كلَّ ليلة، ليتجدّدَ يوميًا... ويُرهقَني قلقًا على القادم،   ‏وهل ستأخذنا الرحلة كما نسعى؟ ‏ ‏ـ ميس الرّيم جناجرة/ فلسطين

حوار صحفي مع الكاتبة السورية ميشلين موسىفي مجلة إيلزا الأدبية الجزائرية

 حوار صحفي مع الكاتبة: ميشلين موسى في هذا العدد من مجلة إيلزا، نفتح نافذة على تجربة إنسانية تتجاوز حدود المهنة الواحدة، والهوية الواحدة، والمسار الواحد. ضيفتنا في هذا الحوار هي الكاتبة ميشلين موسى، من سوريا، تبلغ من العمر 37 عاماً، حاصلة على شهادة معهد هندسة، وتمتلك تجربة سابقة في مجال التدريس، حيث أسهمت في تنمية مهارات التعليم والتواصل. تكرّس اليوم جزءاً كبيراً من وقتها للقراءة والكتابة، وقد نشرت عدة مقالات في مجلات إلكترونية، مما ساهم في صقل أسلوبها التعبيري وتوسيع رؤيتها الفكرية. إلى جانب ذلك، تعمل في مجال التجميل، حيث تجد شغفها في إبراز الجمال والعناية بالتفاصيل. وهي متزوجة وأم لطفلين، وتسعى دائماً لتحقيق توازن بين حياتها الشخصية وتطورها المهني والذاتي. في هذا اللقاء، لا نتوقف عند السيرة المهنية بقدر ما نحاول ملامسة الخيط الخفي الذي يربط التفاصيل ببعضها، ويحوّل الحياة اليومية إلى مساحة للتأمل والكتابة. 1. من الهندسة إلى التجميل ثم الكتابة… يبدو المسار متنوعًا، لكن ما الخيط الخفي الذي يجمع كل هذه التجارب في حياتكِ؟ الخيط الذي يجمع كل هذه المسارات هو شغفي بالتفاصيل ومحاولتي الدائ...