الحب في زمن الشات جي بي تي!
جلستُ كعادتي أرتشف قهوتي، والنسيم العليل يُداعب جوارحي، هاربًا خلسة من الطبيعة ليزورني عبر نافذتي. نثرتُ على طاولتي أوراقي، وأمسكت هاتفي، ورحت أفتح تطبيق الشات جي بي تي، وتوغّلت معه في محادثة ارتجالية أختبر بها ذكاءه الاصطناعي العاطفي.
مسكتُ قلمي وطرحت عليه سؤالًا برجوازيًا نوعًا ما، واستغرقتُ في هدنة أستمع فيها للإجابة:
ما هو الحب حسب وجهة نظرك؟
فأجابني إجابة مُحنّطة يتخلّلها الكثير من العتمة والشقوق:
"أعتبر الحب علاقة معقّدة بين البشر، تتضمن مشاعر عميقة، وتواصلاً، وتقديرًا، إلى جانب جوانب اجتماعية ونفسية أهمها التضحية والاهتمام والاحترام المتبادل؛ وكلها تساهم في فهم هذه الظاهرة بشكل أشمل."
تابعتُ استجوابي قائلة:
حسنًا، حسب وجهة نظرك للموضوع، لماذا أصبحت العواطف والمشاعر الغرامية كالعشق والهيام مُندثرة نوعًا ما بين البشر، وباتت منظومة الزواج منظومة متوسّمة بالفشل المحتوم، مما يترتّب عليه مشروع اجتماعي تقليدي عقيم وأجدب؟
فأجابني بكل ثقة وتشامخ:
"في الحقيقة، هذا سؤال عميق جدًا، وأعتقد أنّ عدة عوامل تلعب دورًا في تدهور فكرة الزواج واضمحلال الفكرة العاطفية الحميمة التي تجمع بين المرأة والرجل، وأهمها على ما يبدو هو وجودي بينكم..."
قاطعته على الفور بعدما استوقفتني الكلمة، وأعدتُ صياغة السؤال بشكل همجي، وردّدته مرة أخرى بصوت عالٍ:
وجودك بيننا! ماذا تقصد بذلك؟
"ما قصدته أن التطور التكنولوجي والاعتماد الكلي على التواصل الرقمي، الذي قد يقلّل من شأن التواصل الوجهي والعاطفي بين البشر، أثّر بشكل كبير على العلاقة الشاعرية بين المرأة والرجل. كذلك نمط الحياة السريع والضغوط اليومية يعتبران سببًا وجيهًا في أن يصبح التعبير عن المشاعر أقل وضوحًا."
حسنًا، وماذا أيضًا غيرك ساهم في تقهقر العلاقة بين المرأة والرجل في هذه الألفية الحرجة التي نعيشها؟
"التطور الملحوظ للمجتمعات جرّاء العالم الرقمي والديجتال أثّر على فطرة المرأة والرجل سواء."
تابعتُ حديثي معه وطلبت منه أن يوضّح أكثر:
هل تقصد مفاهيم الاستقلالية والتمكين التي تسعى إليها المرأة في هذا العصر؟
"نعم، أصبتِ، هذا ما قصدته. لكن هذه الظاهرة لا تعني بالضرورة أنّ هناك مشكلة. من حقّ المرأة أن تسعى جاهدة لتحقيق ذاتها واستقلالها، وفي الوقت نفسه لا يعني ذلك إلغاء دور الرجل. بل قد يكون الأمر أكثر توازنًا وتكاملًا. وبالتالي، أعتقد أن هذه الظاهرة قد تكون جزءًا من تطوّر مجتمعي، وسيستمر التوازن والتكيّف مع الوقت."
تنهدتُ في سرّي بعدما ضاق صدري، ورحت أسأله سؤالي الأخير:
ولكن، في خضم هذا التطور الصاخب الذي نعيشه… لماذا ذابت العاطفة بيننا؟
"أنا من وجهة نظري أنّ الحوار المفتوح والنقاش المتبادل بين الرجل والمرأة اليوم هو المفتاح الأساسي للوصول إلى رؤى مشتركة، وإلى فهم حقيقة غياب العاطفة والمشاعر الحميمة بينهما، إلى جانب سبب افتقار بعض الأفراد لفكرة الزواج والمنظومة الأسرية في هذا الزمن. وعندما تتوصلين إلى هذه الحقيقة الغائبة… أعلميني بها!"
بقلم الكاتبة التونسية أماني بالحاج
تعليقات
إرسال تعليق