هناك تساؤلات عميقة تطرح حول التغيرات التي تطرأ على العلاقات الزوجية مع مرور الوقت، و أهمية التواصل الفعّال والتفاهم المتبادل في العلاقات الزوجية.
في هذه القصة القصيرة أحاول أن أزيح الستار عن هذه النقطة الحساسة والتي يغفل عنها العديد من الأزواج، ورغم أن أحداث هذه القصة من خيالي، إلا أنها تمثل حقيقة موجودة في كثير من البيوت مع بعض الخصوصية من بيت إلى آخر.
_____________
قصة قصيرة بعنوان:
" غياب في حضور "
حلّ الليل بهدوئه المعتاد، مدَّ ستاره الأسود على أرجاء المدينة، وتلألأت أنوار الشوارع و البيوت كنجوم صغيرة متناثرة في صدر العتمة، يختبئ خلفها بشرٌ أنهكتهم الأيام الثقيلة ومتاعب الحياة.
وفي أحد تلك البيوت المتواضعة،
اجتمع أفراد أسرة السيدة حكيمة حول مائدة العشاء، وكانت رائحة الطعام اللذيذ تتصاعد من الأطباق و تختلط بأحاديثٍ متقطعة مع أصوات الملاعق.
أنهى الجميع عشاءهم على عجل، ولم يتركوا خلفهم سوى صمت الأطباق الباردة. فالإرهاق بادٍ على الملامح، وقد خيّم صمته الثقيل على المائدة. دخل إبراهيم غرفته ليستريح بعد دوام عملٍ طويل و غياب يوم كامل عن بيته ، وقد بدا كأن نومه يخلصه من متاعب لا يبوح بها، و يلوذ به كلما أثقل عليه العالم بعبئه.
أما زوجته حكيمة، فقد جمعت الأواني بصبرٍها المعتاد ورتبت المطبخ بعناية، وكأنها تواسي نفسها بالنظام وسط فوضى الحياة الكبيرة. وحين اطمأنت أن أولادها قد استقروا في أفرشتهم، بعد أن حصنتهم بدعاء النوم، دخلت غرفتها متعبة ، تحمل على كتفيها هموم يومٍ آخر، وتخفي في صدرها الكثير من الحيرة والقلق.
جلست بجانب زوجها على السرير، تنظر إليه بعمق وهو مستلقٍ على ظهره، يغطّ في نوم عميق. وكان شعاع الضوء الخافت يتسلل إلى ملامح وجهه، فكان يبدو أكثر هدوءًا وسلامًا في الظلمة الهادئة للغرفة. كانت تحاول أن تستوعب كل تفاصيل وجهه التي تعرفها جيدًا، فكانت عيناها تتحركان ببطء على كل جزء منه، وكأنها تحاول أن تحفظ كل تقسيمة فيه.
في هذه اللحظة، شعرت باختلاط المشاعر بداخلها. كانت تشعر بالحنين إلى الأيام الخوالي عندما كانوا قريبين. تساءلت عن ذلك الإحساس الجميل، الذي كان يدغدغها كلما رأته نائمًا، أين هو؟ هل كل شيء جميل بينهما انتهى بهذه البساطة؟ وصار معقدًا ومليئًا بالصراعات!
الحب بينهما ما زال موجودًا، لكنه أصبح مريضًا، وكأن ما أصابه من داء لا يريد أن يشفى!
تذكرت كيف كانوا يجلسون معًا، يتحدثون عن أحلامهم وطموحاتهم، وكيف كانوا يجدون السعادة في أبسط الأشياء. كان شريط ماضيهما يمر أمام عينيها كفيلم قصير: فنجان قهوة بعد العشاء يرتشفانه معا، نزهة سريعة بلا موعد، حديث طويل يسرق الليل منهما، هدية بلا مناسبات ، اتصال كثير وهو في عمله، يطمئن عليها ويرسل أشواقه عبر الأثير...
ولم يدم الحال طويلًا بعد أن رزقت بأطفالها الثلاثة؛ إذ تغيّرت ملامح حياتهما، وأصبحت علاقتهما فاترة ، يحفّها جمود قاسٍ لم يرحم الحب الذي جمع بينهما. وكأن مشاغل الحياة سرقتهما من بعضهما البعض.
ثم تساءلت: ترى ما الذي غيّره؟ هل ملّ منها؟ هل تغيرت أولوياته؟ هل لأن جمالها ذبل، وفقدت الكثير من جاذبيتها؟ أم لأنها أصبحت كثيرة المرض وهي لم تتعد الأربعين بعد؟! وهل... وهل... وهل...؟
تذكرت كل المرات التي طلبت فيها منه أن يخصص وقتًا لها، أن ينصت إليها، ولكن يبدو أن كل ذلك لم يعد كافيًا. ولم تطلب منه شيئًا إلا أن ينتبه لوجودها الذي بات يتلاشى أمام عينيه كما يتلاشى الظل عند الغروب. هي وحيدة بين جدران البيت طول النهار رغم وجود أبنائها حولها، لكن لا أحد ولا شيء يعوضه هو.
أخبرته مرات ومرات أنها بحاجة إليه، كانت تشعر أن شيئا ما ليس بخير في داخلها، لكنه كان يأبى الاستماع، يتهمها بالتدلل كالطفلة الصغيرة. وحتى إن كان الأمر كذلك، هل ذلك ينقص من قيمتها كامرأة تبحث عن كمالها في نصفها الثاني؟! كم أخبرته أنها تشتاق إليه لكنه كان حاضرًا بجسده وروحه في منفى الغياب.
وهل أصبح يرى البيت مجرد مكان للنوم؟
كانت تعلم أن عمله ينتهي عند الخامسة مساءً، لكنه اعتاد أن يتأخر حتى ساعات الليل المتأخرة، يتذرّع لها بأن لقاء الأهل وصلة الرحم واجب لا يُهمل، وأن من الوفاء أن يحافظ على على رفقة أصدقاء العمر، بينما بيته الذي ينتظر حضوره يتراجع دائمًا إلى ذيل القائمة، كأنه آخر ما يخطر بباله.
لم تكن ترى مشكلا في ذلك ، لكن مبالغته في قضاء طول اليوم خارج بيته بعد الدوام بوتيرة يومية هو ما كان يزعجها ويقلق أولادها أيضا، فقد كبروا و أصبحوا يلاحظون كثرة غيابه عن البيت.
مرت عشرون سنة على زواجهما، لم تقصّر معه في شيء. وهبته نفسها وقلبها وعقلها وصحتها وحتى مالها، ساندته كما تفعل الأصيلة دائمًا، ولم تتركه ولم تبعد عنه ليلة واحدة. كانت تشتاق إلى أهلها، لكنها كانت تجد فيه أنيسًا وحبيبًا، فتلملم ندوب البعد بقربه. لكنها للأسف بنت لنفسها وهمًا جميلا من خيال كانت تظن أنها ستحافظ عليه حين لا تبتعد عنه، ونسيت أن في بعض الحضور غيابًا!
شعرت بالوحدة تملأ قلبها، رغم أنه بجانبها. بدت لها الغرفة أكبر وأكثر فراغًا مما هي عليه في الواقع، وكأن هذا الاتساع أراد أن يترك لها مساحة كبيرة من التفكير والشعور بالضياع.
في لحظة من الصمت العميق، قررت أن تترك البيت لفترة، لتذهب إلى أهلها وتبحث عن بعض الراحة والسكينة. شعرت أنها بحاجة إلى استعادة نفسها، لتجديد طاقتها واستعادة التوازن الذي فقدته في الفترة الأخيرة.
في الغد، وعلى مائدة القهوة بينما كانا يرتشفان فنجان القهوة بكل هدوء، أخبرته بأنها قررت الذهاب بضع أيام عند أهلها لأنها مرهقة جدًا. نظر إليها باستغراب وقال:
_ هل ترين الوقت مناسبًا؟
أجابته:
_ قلت لك أنا مرهقة ولا أشعر بأنني بخير.
_ كم ستمكثين؟
_ لست أدري، بضع أيام وربما أكثر.
ثم ساد الصمت بينهما من جديد.
وكان أبلغ من أي حوار.
انتظرت حتى ذهب إلى عمله، ثم تكلمت مع أبنائها وأخبرتهم بأنها بحاجة إلى الراحة، فقد صاروا كبارا ويستطيعون الاعتماد على أنفسهم أياما قليلة، ثم رتبت ما تحتاجه وكتبت رسالة لزوجها ابراهيم وضعتها على مكتبه، كانت رسالة قصيرة لكنها ثقيلة، بحروفها التي كانت تحمل كل ما لم تستطع قوله. ثم حملت حقيبتها وخرجت.
اتجهت حكيمة نحو محطة القطار بخطوات متثاقلة، اشترت تذكرة السفر وجلست في مقعدها قرب النافذة. بدت لها الطريق لأول مرة طويلة على غير عادتها؛ ساعتان كانتا تمضيان سريعًا في السابق، لكن هذه المرة شعرت كأن عقارب الساعة متوقفة.
غاصت في دوامة من الأفكار، تتأمل حياتها وكيف آلت أمورها إلى ما هي عليه. وحين وصل القطار أخيرًا، استقلت سيارة أجرة واتجهت مباشرة نحو بيت والديها، كأنها تبحث عن حضنٍ غابت عنه طويلًا.
وصلت البيت أخيرًا، وقلبها يخفق بشدة. طرقت الباب بيدٍ مرتجفة، لا تدري ماذا ستقول لأهلها بعد كل هذا العمر.
فتحت أمها الباب، فتفاجأت بقدومها غير المتوقع، وارتبكت مشاعرها بين فرحة غامرة وحيرة ظاهرة.
لم تتمالك حكيمة نفسها، فألقت بجسدها المنهك في حضن أمها، وقالت بصوت متهدج:
ـ ضميني يا أمي… فأنا متعبة جدًا.
ثم انفجرت باكية، وكأنها طفلة وجدت أخيرًا ملاذها الآمن بعد تيه طويل.
مسحت الأم بيدها على شعرها وقالت بهدوء:
ـ هوني عليكِ يا ابنتي… أنت بخير...أنت بخير...
رفعت حكيمة رأسها بعينين دامعتين وهمست:
ـ أخشى أن أكون قد خيّبت ظنكم بي.
ابتسمت الأم وسط دموعها، وضمتها أكثر وهي تقول:
ـ أنتِ ابنتي، وأنا أعرفك جيدا، ولن تخيّبي ظننا أبدًا. كل ما يهمني الآن أن أراك بخير.
رفعت حكيمة رأسها بعينين دامعتين وهمست:
ـ يبدو أن زواج البُعد لا خير فيه يا أمي… كم من مرة شعرت بالوحدة والغربة رغم هذا العمر ، وزوجي لا يفهم هذا الأمر، و أشعر أنني لست بخير. لقد حاولت مرارًا أن أشرح له حاجتي إلى قربه، لكن صمته وغيابه المتكرر عن بيته و أولاده يؤلمانني كثيرا.
لم يعد ابراهيم الذي أعرفه، لقد تغير كثيرا يا أمي.
تنهدت الأم وهي تضمها أكثر، وقالت:
ـ يا ابنتي، الزواج صبر ومودة ورحمة، لكنه أيضًا مشاركة. لا يجوز أن يحملك وحدك كل هذا العناء.
أطرقت حكيمة رأسها وهمست منكسرة:
ـ كنت أظن أنني وجدت سندي فيه، لكنني اليوم أشعر أنني غريبة عن بيتي.
شدّت الأم على يديها وقالت بحب :
ـ لا تقولي ذلك يا حكيمة. أنتِ لستِ غريبة، ولكِ أهل وبيت مفتوح مهما طال بعدك.
لم تستطع حكيمة الرد، فقد غلبها الإرهاق وانكسار الروح. اتجهت بخطوات واهنة نحو غرفتها التي تعرفها جيدًا منذ صباها، وما إن دخلتها حتى ارتمت على الفراش، وأغمضت عينيها لتغرق في نوم عميق، كأنها لم تذق طعم النوم منذ زمن طويل.
كان نومها هذه المرة ليس استسلامًا للجسد فقط، بل هروبًا من وجعٍ انكسار أثقل قلبها .
و بعد ساعات من النوم العميق، استيقظت حكيمة وقد بدا عليها بعض التحسن. جلس والدها إلى جوارها يسألها عمّا يؤلمها، فروت له جانبًا مما تعانيه. عندها أبدى الأب عزمه على زيارة زوجها والتحدث معه مباشرة، غير أنّ حكيمة أمسكت بيده برجاء، قائلة إنها بحاجة إلى بعض الوقت والراحة قبل أن تُفتح أي مواجهة معه.
وفي مساء ذلك اليوم، عاد إبراهيم إلى البيت، فاستقبله أبناؤه وقد رتّبوا المكان وأعدّوا عشاءً خفيفًا. ابتسم لهم قائلًا:
– أتمنى ألّا يطول غياب أمكم.
لكن لؤي، ابنه الأكبر، لم يتمالك نفسه وقال بصوتٍ مبحوح:
– أبي… أشعر أن أمي تغيّرت كثيرًا، أظنها فعلًا ليست بخير.
ردّ إبراهيم بنفَسٍ ضجر:
– لا تهتم، إنه تدلّل النساء فقط. لديّ مشاغل كثيرة خارج البيت، وأوفّر لها كل ما تحتاج. لكنها لا تفهم أنني متعب أيضًا.
فقال لؤي بجرأة لم يعتدها:
– لكننا نحن أيضًا نحتاج إليك يا أبي، وغيابك المستمر صار يثقل جو البيت. أظنك حتى لا تعلم ماذا يحدث معنا ولا جديدنا.
قطّب إبراهيم حاجبيه، ونظر إليه بغضب حاد:
– اسكت يا لؤي، لا تتدخل فيما لا يعنيك.
ثم انسحب نحو غرفته، متمتما بكلام غير مسموع . وحين فتح الباب، وقع بصره على ظرف أبيض فوق مكتبه. اقترب و فتحه ببطء، وبدأ يقرأ:
بعض البيوت، جدرانها باردة، بالحضور كما في الغياب… لا دفءَ فيها.
وإن طرقها الدفءُ يومًا، تكون الجدران قد تصدّعت،
فالترميم المتأخّر لا يرمّم الجدران المنهارة.
"من بيتٍ بلا أنتَ…"
أراكَ وقد سئمتَ البيتَ،
فويحي من بيتٍ بلا أنتَ…
مضى العمرُ كلُّه بلا دفءٍ،
وكلَّ دفءِ القلبِ قد سلبتَ.
فقلبي المسكينُ ما عادَ يحتملُ الوجعَ،
كم من مرّةٍ أوجعتَه ثم رحلتَ.
أراكَ بكلِّ إحساسٍ أخفيْت،
فهل كنتَ تقصدُ الهجرَ؟
أم تراكَ سئمت؟
أين تلك الأيامُ حين كنتُ أنا… وأنتَ كنتَ؟
كنّا نُسهرُ الليالي بلا مللٍ،
واليوم، عجبًا كيف تغيّرتَ؟!
وإنّي أخشى يومَ الرحيلِ، وحيدةً على فراشي البارد،
أحدّقُ في سقفٍ صامتٍ، فلا حضرتَ ولا أتيتَ…
لا وجهَ لك ولا يدٌ تُطَمْئِنُنِي،
تأتي متأخّرًا وقد ارتجفتَ،
تحملُ وردًا لجسدٍ باردٍ انطفأت أنفاسُه،
تهمسُ باسمي فلا أسمعُك وإن صِحتَ وبكيتَ.
في بيتٍ كان عمرًا بلا أنتَ،
وصار بعد رحيلي كلُّه… أنتَ.
تجمّد إبراهيم في مكانه وهو يقرأ كلمات الرسالة التي كانت بوحا من رحم المعاناة، كان يعلم أن زوجته تلجأ إلى الكتابة كلما آلمها شيء، لكنها منذ مدة لم تفعل ذلك. ارتجفت واشتدت أنفاسه كأن الكلمات سكاكين تُغرَس في صدره. شعر لأول مرة أنّ صمته الطويل وإهماله لم يكن عبورًا عابرا، بل هدمًا بطيئًا لجدران بيتٍ عاش فيه عمره. جلس على طرف السرير، ممسكًا بالورقة في يده، بينما ارتسمت على وجهه علامات ذهول اعترته حيرة.
راح يهمس لنفسه بارتباك:
– أحقًا كنتَ أشعرها بهذا القدر من الوحدة؟ متى ابتعدتُ عنها كل هذا البُعد؟ كيف لم أنتبه إلى ألمها؟ كنتُ أظن أنّ توفير العيش يكفي. و أعاد قراءة الرسالة مرات ومرات...
ثم أسند رأسه إلى كفّيه، وقد غلبه الهمّ. لأول مرة منذ زمن بعيد، شعر أنّ كل ما كان يشغله لم يعد يجدي أمام ورقة صغيرة أفصحت عن حياة كاملة كانت تنزف بجانبه وهو غائب.
لم يعرف ماذا يفعل؛ أيلحق بها محمّلًا بندمه يحاول أن يُرضيها، أم يكتفي بمهاتفةٍ يطمئن بها على حالها منتظرًا عودتها حين تختار هي؟ كان قلبه هذه المرّة يخبره أن في كلماتها سرًّا غامضًا لم يستطع فكّ شفرته، وكأن الرسالة لم تكن بوحًا عاديا، بل إنذارًا أخيرًا يوشك أن يغيّر كل شيء.
استيقظت حكيمة في اليوم التالي على صوت أمها الحنون وهي تدعوها لشرب القهوة معهم. نظرت إليها زوجة أخيها التي كانت تجلس بجانبها، وقالت بقلق:
– يبدو وجهك مصفرًا بعض الشيء يا حكيمة، ألم تنامي جيدًا؟
أجابت حكيمة بصوت خافت:
– نمت جيدًا، لكن منذ فترة أشعر بدوار في الصباح كلما استيقظت.
شعر الأب بقلق شديد، وقال على الفور:
– سأصحبك اليوم إلى الطبيب، جهزي نفسك.
عند دخول العيادة، شعرت حكيمة بالهلع و كان الخوف يضغط على صدرها وشعرت بضيق في التنفس،
كان شيء ما بداخلها يقول لها بأنها ليست بخير، بينما كان والدها يراقبها بعينين متسعتين بثقل الحيرة .وبعد فحص شامل بأشعة مقطعية ورنين مغناطيسي وإجراء التحاليل اللازمة في اليوم التالي، جاءت النتيجة التي يخشاها الجميع، لتقلب كل شيء رأسًا على عقب: حكيمة تعاني من انهيار شديد في الصفائح الدموية، وهو مؤشر خطير قد يهدد حياتها إذا لم يُعالج بسرعة.
تجمّد الأب للحظة، وشعرت حكيمة بأن قلبها يرفرف بقوة من شدة الخوف. لم يكن هناك مجال للكلام؛ فالتقرير الطبي أبلغ من أي كلمة.
كانت الصدمة عنيفة على حكيمة، لكنها لم تصرخ، ولم تبك، بل أصيبت بذهول ألزمها صمتا عميقا.
وعند عودتهم إلى البيت، شعرت حكيمة بدوار يلفّ برأسها، وكأن الأرض تحت قدميها صارت غير ثابتة. ارتجفت يدها وهي تستند على الكرسي، و امتلأت عيناها بالدموع، لكنها لم تبكِ بعد، فقد غمرها شعور الصدمة.
علمت الأم بالخبر، حاولت أن تكون قوية أمامها، فاقتربت منها بسرعة، وضمّتها بحنان شديد، محاولة تهدئتها رغم أن قلبها كان يخفق هو الآخر بعنف.
لكن حكيمة كانت في حالة هلع جعلتها تتجول في الغرفة بلا هدف، ويدها على صدرها كأنها تحاول الإمساك بنبض قلبها المتسارع.
وشعرت أن خوفها من المجهول أكبر من أي ألم جسدي، وكأن خبر المرض الخطير استنزف كل طاقتها وشجاعتها.
حاولت الأم أن تظل قوية، تكرر بصوت مرتعش:
– لا تقلقي يا بنيتي… كل شيء سيكون بخير… سنهتم بك، وستتجاوزين هذه المرحلة…
ثم اقترب منها والدها و أمسك يدها بحزم، محاولًا أن يثبتها على الواقع، وقال بنبرة مرتجفة:
– سنفعل كل ما أمر به الطبيب… لا تقلقي، لن تواجهي هذا وحدك، نحن معك يا ابنتي.
وبدأ كل واحد منهم يفكر في رحلة العلاج الطويلة ، وكل واحد منهم يحمل ثقل الغد المجهول في قلبه، لكن مع بذرة أمل صغيرة كانت تلوح في الأفق فكل شيء قابل للتجاوز بالصبر والرعاية.
و بعد ساعات اتصل الأب بإبراهيم بلهجة عاجلة، دون أن يشرح له ما حدث وطلب منه الحضور حالا. تلقى إبراهيم المكالمة وهو يتوقع أن الحديث سيكون حول خلافه مع حكيمة، شعر ببعض الانزعاج، لكنه لم يقل شيئا، بل ردّ بأنه قادم مع الأولاد.
ما إن وصل، حتى اصطدم بالحقيقة الصادمة: حكيمة كانت جالسة على الأريكة، ضعيفة، وجهها شاحب وعيناها تحملان أثر الألم والقلق، بينما والدها كان واقفًا بجانبها بنظرة حادة، مشحونة باللوم.
ألقى التحية فرد عليه الجميع بصوت هادئ يلفه حزن ظاهر، ثم وقف والد حكيمة وطلب منه أن يتبعه إلى الصالون:
_ماذا هناك يا عمّ، ما بها حكيمة ؟
– كيف لم تنتبه إلى صحة زوجتك؟ كيف تركتها تصل إلى هذه الحالة دون أن تنتبه؟
_ ماذا حدث لم أفهم؟
_ حكيمة مريضة جدا يا ابراهيم، تعاني من مرض نقص الصفائح الدموية الحاد، هل فهمت الآن؟
ارتجف إبراهيم من هول الخبر، ولم يجد كلمات تبرّر اهماله. شعر بشيء ينهار داخله، استدرك فجأة الرسالة التي تركتها حكيمة على مكتبه، واستحضر كلماتها مرة أخرى في ذهنه:
لا وجهَ لك ولا يدٌ تُطَمْئِنُنِي،
تأتي متأخّرًا وقد ارتجفتَ،
تحملُ وردًا لجسدٍ باردٍ انطفأت أنفاسُه،
تهمسُ باسمي فلا أسمعُك وإن صِحتَ وبكيتَ.
تملكته موجة من الندم، غمر قلبه شعور الخوف من الفقد. أدرك أخيرًا أن كل كلمة في رسالتها لم تكن مجرد بوح عاطفي، بل كانت صرخة
وجع ، وانفجار من شدة ألم سببه اهماله بالغياب، كانت تخبره في كل مرة بأنها ليست بخير، لكنه لم يكن يهتم بها، ظنا منه أنها تبحث عن حجة لإبقائه في البيت.
نهض مسرعا، و اقترب بحذر منها ، لم يجرؤ في البداية على لمسها، كانت حكيمة تحدّق في الفراغ، ثم جلس إلى جوارها بهدوء، يلتقط أنفاسه وهو يحاول أن يجد الكلمات المناسبة، لكنه لم يجد سوى صمت طويل، صمت مليء بالاعتذار والندم العميق.
ثم التفتت حكيمة نحوه، وعيناها تحملان مزيجًا من الخوف، الحزن، والعتاب. لم يتحدثا كثيرًا، كان اللقاء ذاته أبلغ من أي كلام. لمس إبراهيم يدها برفق، لكنها لم تشعر بوجوده.
ظلّا هكذا، ساكنين في اللحظة، صامتين، لكن قلبيهما يتحدثان بصمت عن رحلة جديدة قد لا تكون واضحة بعد، لكنها تحمل حضورا، ولو بشكل مختلف هذه المرة.
وفهم أخيرًا أن حضوره الفعلي واهتمامه المباشر لم يعد الآن رفاهية، بل ضرورة وواجبا لإنقاذ حياة زوجته.
حينها فهم ابراهيم ما كانت تقصده حكيمة في رسالتها، و أدرك أنه فعلا هناك بعض البيوت، جدرانها باردة، بالحضور كما في الغياب، لا دفء فيها، بعد أن اتسعت المسافة بين قلبين، و إن طرقها الدفء يوما، تكون الجدران قد تصدعت، فالترميم المتأخر لا يرمم الجدران المنهارة.
كما أدرك أن الغياب لا يعني الرحيل فقط، بل قد يكون صمتَ المقيم، وتجاهلَه، وانطفاءَه البطيءَ للمشاعر.
إنه وجع لا يصرخ، لكنه قاتل.
وحين يسكب نفسه على الورق، باحثًا عن عزاءٍ لا يأتي، يكون اليأس قد سكن مكامن الأمل إلى الأبد.
30/09/2025
شفاءالروح
الجزائر 🇩🇿
تعليقات
إرسال تعليق