سعدات أنيسة صوتٌ لا يساوم، وكاتبَةٌ تشهد بالاسم قبل أن تُسجّل في السجلّ الأدبي. من جبال الونشريس تأتي هذه المقابلة لتضع القارئ أمام امرأة ترى الكتابة درعًا وصرخةً في آن واحد: ترفض أن يكون صمتها قبرًا، وتؤمن أن الحرف قد يكون «رصاصتها الأخيرة» لمنع النزيف. في هذا الحوار سنلتقي بمبدعة تجمع بين التدقيق اللغوي والشعرية الثائرة، سنغوص في علاقتها بالكتابة، بالفانتازيا، وبجراح الغياب والخذلان، ونقرأ أمامها سؤال الحق الذي لا يهدأ. توقع نصاً لا يهادن الابتذال، ولا يرضى بقاعدة الوسطية — نصًّا يفضح ليُعافى، أو ليبقى الجرح شاهدًا على صدق الكلام
❖ من هي سعدات أنيسة؟
أنا سعدات أنيسة… كاتبة وشاعرة جزائرية، مدققة لغوية، ومُحفّزة اجتماعية، أكتب من قلب منطقة الونشريس، حيث الجبل شاهد، والرياح ساعي بريد للحقيقة.
أنا امرأة لا يعرّفها سطر، ولا تحتويها سيرة. أكتب لأنني أرفض أن أكون قبرًا لصوتي. أكتب كي لا يربح الصمت معركته معي.
لستُ مجرد كاتبة؛ أنا شاهدة على جريمة الحياة ضد البراءة، وشريكة في مؤامرة الحرف ضد النسيان.
أنا التي كلما كتبت، فضحت، وكلما فضحت، تعافيت… ولو بجرحٍ جديد.
---
1. هل أكتب لأعبّر أم لأكسر الصمت؟
أنا لا أكتب لأعبّر… التعبير ترف. أنا أكتب لأوقف النزيف قبل أن يبتلعني. أكتب لأن في داخلي صمتًا مفخخًا، ولأنني لا أريد أن أنفجر بلا أثر. الكتابة هي رصاصتي الأخيرة، وصمتي حين أختار أن أقتل بالكلمات بدل أن أموت بها.
2. ماذا تقول الفانتازيا عن الحقيقة؟
الفانتازيا ليست هروبًا… إنها فضيحة. حين يعجز الواقع عن الصدق، تأتي الفانتازيا لتكشف عورته. في كل ملاك أخلقه، هناك شيطان واقعي مختبئ؛ وفي كل عالم سحري أكتبه، هناك بشر أشدّ فتكًا من الجنّ. الفانتازيا مرآة الحقيقة… لكنها مرآة لا تجامل.
3. الغياب والانفجار الإبداعي؟
أنا لا أغيب… أنا أختبئ في صدري حتى أفيض. الغياب عندي احتشاد صامت، وانفجاري ليس لحظة، بل نتيجة تراكم جروح لم أجد لها مخرجًا. أكتب حين يفيض الحزن حتى يخرق جلدي، وحين يصبح الحرف الطريقة الوحيدة كي أتنفس دون أن يراني أحد.
4. كاتبة أم معالجة للنفس؟
أنا مريضة بالحبر، لا أبحث عن شفاء. لا أكتب لأعالج الآخرين، فأنا لم أُشفَ من نفسي بعد. كل نص أكتبه هو ضمادة أضعها على جرحي، لكنني أعرف أنها ستنزف من جديد. الحرف لا يداوي… لكنه يعلّمني كيف أعيش مع الندبة
5. مواجهة الابتذال الأدبي؟
لا أطارده… أتركه يختنق في نفسه. الصمت أحيانًا أبلغ من ألف رد. الأدب الحقيقي لا يركض وراء الأضواء، لأنه هو الضوء. أنا أكتب كما أتنفس، لا كما يُطلب مني، وأعرف أن النص الصادق يعيش حتى لو لم يصفّق له أحد.
6. مواضيع التصقت بي حتى أصبحت أنا؟
الخذلان… الغياب… الخيانة المقدسة… العزلة… والموت حين يتنكر في ثوب حياة. هذه ليست مواضيع، هذه أعضائي الداخلية. أكتبها لأنني لو لم أفعل، سأموت وهي داخلي.
7. لحظة فهمني فيها العالم؟
لم تحدث. العالم لا يفهمني… هو فقط يحاول أن يضعني في إطار حتى يرتاح من فوضاي. وأنا لم أُخلق لأرتاح فيه. أنا لُغز لا يطلب الحل، وظلّ لا يعتذر عن شكله.
8. الكتابة… ترياق أم مجاز مؤلم؟
هي الترياق الذي يمنعني من الموت، لكنها السمّ الذي يجعل العيش أثقل. أنا لا أشفى من أي نص أكتبه… لكنني أنجو به. الكتابة دواءٌ بجرعةٍ قاتلة.
---
9. كيف أصمد في زمن السطحية؟
أصمد لأنني أكتب بعمق لا يُغرق، بل يُنقذ. أؤمن أن الأدب صلاة سرية، لا عرضًا مسرحيًا. أنا أكتب لأن الوعي لا يحتاج جمهورًا، بل يحتاج قلبًا واحدًا يتغير. السطحية تعيش لحظتها… أما العمق فيعيش إلى الأبد.
---
10. وصيتي لجيل الكاتبات القادم؟
اكتبي كما لو أن الله يقرأك، وكما لو أن لا أحد سواك سيعرف ما كتبتِ. لا تُقلّدي، لا تُساومي، لا تكتبي لتُعجبي… بل اكتبي لتشهدي. الجرأة ليست أن تصرخي، بل أن تهمسي بالحقيقة في أذن العالم حتى يستيقظ مذعورًا
تشرفت المجلة بهذا الحوار مع . سعادَت أنيسة التي لا تمنحنا راحة الإجابات السهلة؛بل تتركنا بحقيقة واحدة لا تُمازَح: الكتابة هنا ليست ترفًا ولا أداءً، بل موقفٌ وندبة وصلاة سرية في وجه العالم. ما يُتبقى بعد هذا الحوار ليس سيرةً مرتّبة، بل عهدٌ بمواصلة الشهادة بالحرف، والاعتراف بأن الجرح نفسه قد يصبح شكلاً من أشكال النجاة. إن أردت أن تسمع الأدب حيًّا، استمع لصمتها المتفجّر — هناك، بين الأسطر، تكمن الحقيقة التي لا تجامل
مديرة المجلة :بشرى دلهوم
المحررة:أسماء أقيس
تعليقات
إرسال تعليق