google-site-verification: google304899934cc37632.html الأخلاق.. الشعلة التي لا يجب أن تنطفئ بقلم/ رنا ماهر التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأخلاق.. الشعلة التي لا يجب أن تنطفئ بقلم/ رنا ماهر

الأخلاق.. الشعلة التي لا يجب أن تنطفئ


في خضمّ عالم سريع التغيّر، تتبدّل العادات وتُعاد صياغة القيم وفق إيقاع الحياة العصرية. وبين هذا التسارع، بدأت تظهر سلوكيات حديثة تسللت إلى حياتنا اليومية حتى باتت تشكّل ما يشبه "الآفات المجتمعية المعاصرة"، التي لا تؤثر فقط على طريقة تفكيرنا وسلوكنا، بل تمسّ بعمق وعينا، وتفصل الإنسان شيئًا فشيئًا عن روحه الحقيقية وفطرته الأصيلة.

ومن أبرز هذه الظواهر وأكثرها خطورة: تغيّر الأخلاق.

إن القيم الأخلاقية لم تكن يومًا ترفًا ثقافيًا أو مجرد شعارات نُعلّقها على الجدران، بل هي أساس بناء الإنسان والمجتمع والحضارة. فالأخلاق هي لغة الروح، وهي التي تُهذّب الفطرة وتضبط الغرائز، وهي التي تحفظ للإنسان إنسانيته وسط صراعات المادة والصوت العالي للمظاهر.

لقد أدركت الأديان السماوية، وعلى رأسها الإسلام، هذه الحقيقة، فجاءت تؤسس لبُعد أخلاقي متين، وبيّن الرسول الكريم ﷺ الهدف من بعثته بقوله: "إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق". وكان القرآن واضحًا حين وصفه بقوله: "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ"، ليجعل من الأخلاق قوام الدين، وركيزة التعامل، وميزان التفاضل الحقيقي بين الناس.

ورغم ذلك، أصبحنا اليوم نشهد انسلاخًا تدريجيًا عن هذه القيم. بات الصدق يُنظر إليه بسذاجة، والتسامح يُفسَّر ضعفًا، والرحمة أصبحت رفاهية نادرة. في المقابل، انتشرت سلوكيات كالأنانية، والغضب السريع، والعنف اللفظي والجسدي، والانغماس في اللهث وراء المال والمكانة، حتى فقد الكثيرون بوصلتهم الداخلية.

إن أخطر ما في هذا الانحدار الأخلاقي، أنه لا يُحدث فقط شرخًا في العلاقات بين الأفراد، بل يترك أثرًا سلبيًا عميقًا على بنية المجتمع بأسره، بل وعلى البيئة النفسية المحيطة بنا. فحين تغيب القيم، يعلو الضجيج، وتُطفأ الأنوار، وتتحول الحياة إلى منافسة غير نبيلة تفتقر للمعنى.

لكن الأمل لا يزال ممكنًا.
بل هو يبدأ من الفرد، من قرار داخلي يتّخذه كل واحد منا أن يكون مختلفًا. أن يكون هو النور وسط العتمة. أن يختار الأخلاق رغم قبح ما حوله، وأن يتمسّك بالصدق والرحمة رغم قسوة الآخرين.
أن يكون ذلك الشخص الذي يُلهم، لا بخطاباته، بل بسلوكه. الذي يُحيي الأرواح بالكلمة الطيبة، والموقف النبيل، والصبر الجميل.

لا تنتظر أن يتغير الجميع.
بل تذكّر أن الأخلاق ليست رد فعل، بل هي اختيار ثابت لا يتأثر بضجيج الخارج.
كن أنت الشعلة التي احتفظت بضوئها، والعقل الذي حافظ على وعيه، والقلب الذي لم ينسَ كيف يُحبّ، ويعفو، ويمنح.

ففي زمن فقدت فيه الأشياء معناها، تبقى الأخلاق هي المعنى، وهي الرسالة، وهي الإرث الذي يبقى بعد الرحيل.

بقلم/ رنا ماهر

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا.بقلم الكاتبة: لانا خربوش

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا. لا أعلم من أنت، ولا كيف وجدت هذه الرسالة، ولا حتى إن كنت تقرأها في لحظة صمت أم وسط ضجيج العالم، لكن إن كانت هذه الكلمات قد وصلت إليك، فهذا يعني أن شيئًا ما أراد لها أن تبقى، أن تُسمَع، أن تعبر الحدود التي لم أكن أراها يومًا. أكتب إليك من زمن لم يعد يشبه نفسه، من مدينة كانت يومًا تنبض بالحياة، لكنها لا تعكس سوى أصداء الماضي. الطرقات هنا تعرف أسماء الغائبين، تحفظ خطواتهم حتى بعد أن غابت أجسادهم، وكأن الزمن يرفض أن يطوي ذكراهم. كنت أحدهم، أمضي دون أن أترك أثرًا يُذكر، أو ربما كنت أعتقد ذلك، حتى أدركت أن ما نتركه خلفنا ليس مجرد أشياء، بل لحظات، كلمات، ومشاعر تختبئ في الزوايا لمن يلتقطها ذات يوم. نحن دائمًا نبحث عن إجابات، نحاول أن نفهم ما لا يُفهم. لكن الحقيقة أن بعض الأسئلة خُلقت لتظل مفتوحة؛ لترافقنا لا لتعطينا يقينًا. كنا نحلم بالخلود، لكننا نسينا أن الخلود ليس أن نبقى، بل أن تظل أجزاء منا تسكن الأزمنة القادمة، في كتاب يُقرأ، في قصة تُروى، في رسالة تصل ولو بعد غياب طويل. هناك أشياء لم تُكتب بعد، وهناك حكايات لم تُروَ. الكاتبة: لانا خربوش

حين يُفكّر المستقبل‏ بقلم الكاتبة: ميس الرّيم جناجرة/ فلسطين ‏

العنوان: حين يُفكّر المستقبل ‏ الساعةُ الثانيةُ من منتصفِ الليل،   ‏وليالي تشرينَ الثاني التي اعتادَ بردُها أن يَنخُرَ الأجساد،   ‏ولكن في هذه الليلة، شِدّةُ التفكيرِ بالمستقبل هي التي نَشَرت جميعَ أجزاءِ جسدي بدلًا من البرد. ‏ ‏وعندما وصلت إلى صدري، وجدتهُ مكتظًّا بما لا يستطيعُ البوحَ به،   ‏ومن شِدّةِ برده، وجدتهُ تارةً يَفترسُ كوبًا من الشاي بِشراسة، علّهُ يَلتحفُ بحرارتها،   ‏وتارةً أخرى، يَجدُها موقدةً مُشتعلة، والحطب... قلبي يُحاولُ إطفاءها. ‏ ‏أمّا مَعِدتي، فَتَلتهمُ التفكيرَ في مستقبلي، تَـمضَغُهُ بقوّة، علّها تُريحني، لكنْ دونَ جدوى.   ‏أَتَقيّأُ ذلكَ التفكير، ويَعودُ مجددًا يُلازِمني، لا يُريدُ مُفارقتي،   ‏ويتغذّى على دُموعي كلَّ ليلة، ليتجدّدَ يوميًا... ويُرهقَني قلقًا على القادم،   ‏وهل ستأخذنا الرحلة كما نسعى؟ ‏ ‏ـ ميس الرّيم جناجرة/ فلسطين

حوار صحفي مع الكاتبة السورية ميشلين موسىفي مجلة إيلزا الأدبية الجزائرية

 حوار صحفي مع الكاتبة: ميشلين موسى في هذا العدد من مجلة إيلزا، نفتح نافذة على تجربة إنسانية تتجاوز حدود المهنة الواحدة، والهوية الواحدة، والمسار الواحد. ضيفتنا في هذا الحوار هي الكاتبة ميشلين موسى، من سوريا، تبلغ من العمر 37 عاماً، حاصلة على شهادة معهد هندسة، وتمتلك تجربة سابقة في مجال التدريس، حيث أسهمت في تنمية مهارات التعليم والتواصل. تكرّس اليوم جزءاً كبيراً من وقتها للقراءة والكتابة، وقد نشرت عدة مقالات في مجلات إلكترونية، مما ساهم في صقل أسلوبها التعبيري وتوسيع رؤيتها الفكرية. إلى جانب ذلك، تعمل في مجال التجميل، حيث تجد شغفها في إبراز الجمال والعناية بالتفاصيل. وهي متزوجة وأم لطفلين، وتسعى دائماً لتحقيق توازن بين حياتها الشخصية وتطورها المهني والذاتي. في هذا اللقاء، لا نتوقف عند السيرة المهنية بقدر ما نحاول ملامسة الخيط الخفي الذي يربط التفاصيل ببعضها، ويحوّل الحياة اليومية إلى مساحة للتأمل والكتابة. 1. من الهندسة إلى التجميل ثم الكتابة… يبدو المسار متنوعًا، لكن ما الخيط الخفي الذي يجمع كل هذه التجارب في حياتكِ؟ الخيط الذي يجمع كل هذه المسارات هو شغفي بالتفاصيل ومحاولتي الدائ...