google-site-verification: google304899934cc37632.html قصة ميت بقلم الكاتبة متمردة مزاجية التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قصة ميت بقلم الكاتبة متمردة مزاجية

ميت، أو هكذا أراه بين فكي عاشقه الآثم الذي يتلبسه عللا لا حصر لها، يذوي رويدًا رويدًا كأنه يودعني دون وداع. لست جاهزًا بعد، لتلقي الطعنة بقلبٍ عارٍ، ولكن... لماذا كلما نظرت إليه خذلني الثبات؟

يبدو الكون مقفرًا، كأن المكان مهجور، وأضغاث الأنفاس أثقل من أن تُحمل في رئتين. شاحب كأن الموت استنزفه، وبدا كأنه شحوب الصحراء. ضائع هو الآن في غياهب مرضه، كأنه ملَّ الأمل وبدأ ببطء ينسج لي وداعًا.

يتهاوى جسده، وتسقط ذاكرته، وتضمحل مقدساته واحدة تلو الأخرى. يعجز حتى عن الألم، وشيئًا فشيئًا تنزف أحلامه. يباعد الحياة خطوة كل ليلة، ويرسل أحيانًا نشيجًا تبكي له السماء. عيناه فارغتان، صامتتان، كأنهما لم تعودا تجرؤان على قص ما يشعر به. هو فقط مسترسل في معاناته. خدج أنفاسه كأنه أنجبها قبل أن تكتمل، وخلف كل نفس تصّعّد في المقلتين دمعة، وتنتحر تلك الدمعة في الأهداب، كأن أنفاسها قصيرة، لا طاقة لها لتبلغ الألم.

دهره كان في وقت ما ليلة أو بعضها، وجسده الذي كان زينته لم يعد إلا حملًا يكسر الفؤاد. وما أدراك أن يقصم فؤادك جسد؟

تراه متململًا، يقلبه الأنين ذات اليمين وذات الشمال، وكأن الروح ملت الجسد. ورغم جرعات الوخز المتواترة، ترى روحه قد ترهلت من انتظار الشفاء. يصارع فكره المجحف وأقداره التي أصبحت شبه يقين في معشر الأطباء. يمني نفسه تارة بالتعافي كلما أشرقت شمس، ويخر صريع أنينه ويأسه كل مساء. خلف صمته المدقع يربض وحش يأس، ويتمنى أحيانًا كثيرة أن يهجر الوجود خلف مطلب الراحة من كم هذا الشقاء.

أطرافه التي كانت أجنحة أمله، وكثيرًا ما جعلته يطاول عنان الحلم، ها هي الآن تهوي به في عمق قعر العجز ونوبات البكاء. كثيرًا ما يرجف لمجرد أن تلمسه، لأن لمستك البسيطة بالنسبة له أعنف من أعنف صعقات الكهرباء. واهتزاز ذلك الجسد الهزيل يشبه كثيرًا ارتجاف الأغصان في موجة ريحٍ هوجاء. كلما تعوَّد على ألم، تفنن المرض في نوبة أعنف، ولا يمهله المرض وقتًا حتى ليعتاد. لا يعرف ليله من نهاره، فهو مشغول حدَّ التيه بإيجاد أسلوب للصبر على معاناته. يشرد لدرجة أن ينسى من حوله أو ما يُقال، حتى أنه صار أحيانًا كثيرة لا يعي ما يجري.

مات شغفه بالكرة التي كانت يومًا هوسه، تخلى عن متابعة الأخبار، وتقوقع في عالمه المظلم، كأنه يخبر العالم حوله أن لا رغبة له في المزيد من أي شيء. فكرته عن الأمل هي أن يعود لسابق عهده، هكذا بقدرٍ أحمق صيغ في وقت استجابة دعاء.

ما زالت إشراقة الصبح بالنسبة له تجسد حربًا شرسة مع يأسه، ولكنه تراه أحيانًا ذابلًا كخيبة كبرى على أعقاب أجمل الأحلام. كلما تمكن منه اليأس، بثه الله بعض أمل، يتواتر بين هذا وذاك. لا هو من الناجين، ولا من الهالكين. مشرقًا... مظلمًا، عابسًا... مبتسمًا، شاحبًا... متوردًا، مقفرًا... مكتظًا، مضطربًا. هكذا يقضي يومه بين البياض والسواد، بين الأمل واليأس، بين الحياة والموت، لا يقين لديه عن غده.

كثيرًا ما يتساءل: ما الذي اجترحته من ذنب ليُصب عليَّ سوط هذا العذاب؟ هل فعلًا استحققت بتاريخي القديم أن يكون هذا هو العقاب؟! أم أنا من المصطفين لأكون حين البعث نقيًا؟ ولكن، هل أملك من الصبر ما يكفي لاحتواء هذا الكم من الوجع؟ يردد منهكًا: يا إلهي، خذ أمانتك، لا طاقة لي اليوم بهذا القدر من العذاب. اليوم بالنسبة له نسخة مزيدة ومنقحة من تلك الشظايا المنغرزة بتفنن في عمق أمله.

يصارع سخطه على قدره بقلبه المؤمن، ويصرعه سخطه على ما يواجه من شقاء. لا يدري: أهو عبد مؤمن، أم قلبه صار مرتعًا للكفر؟ يتآكله الندم كلما ناشد الله أن يأخذه، ولكنها سطوة الألم، لا رحمة في قاموسها، تصيِّر النساك عصاة. مواجهته للمرآة هاجسه المميت. ما زال يعدد ملامحه المفقودة منذ بدأ المرض، وعيون من حوله قاموس يفسر فيه ما يمر به من تقهقر. مرة يستبشر، ومرة يقنط، كأنه بعد لحظة سيرحل.

تأخذه الجرأة فيواجه هاجسه، يقف شارداً أمام المرآة، يبحث عن تفصيل واحد يخبره أنه يتحسن. يغرق في نوبة صمت، كأنه فقد الحس بالعالم الخارجي أمام هول الملامح. ها هو يرى شخصًا يعرفه، ولكنه منسل الروح. شخص أتلفه التعب، ونهشته الآلام، وأفقده القدر تفاصيل الحياة. لا شيء في وجهه ينبض بالحياة، فقط هشيم من غبار شخص يعرفه. يراود عقله بالأمل، فيستعصم ويأوي إلى غياهب البكاء، ليخفف عنه وطأة الانسلال من الحياة على غير إرادة منه.

كيف يقف المرء قويًا أمام موته؟ هاهو يجر ضعفه مثقلًا بخيبته، بطيئًا نحو جحره المظلم، ليعود إلى فوهة اليأس، بأعين فارغة من الحلم. عائد إلى ذبوله بعد شروق الأمل، لا يريد أن يقف هنيهة أمام هذا الغريب الذي يملؤه ذلًا ورهبة، ويكشف عن ساق المخيف من ظلمة الهواجس.

يفقد رغبته في الكلام، يغرق بالساعات في خفوت تواصله بما حوله، يحيط نفسه بسلك شائك من الحدة، يرى أنه وباء على الجميع، فاعتزاله يسلبه أوهامه لذة آماله.

لا أحد يعلم ما الذي يحدث به نفسه، فقط تقطيبة الجبين تحكي عن وجعه المغمور تحت كم هائل من الصمت. يمارس فتات حياته بنزعة الغضب، ويغرز أظافر غضبه في عنق يأسه، يتشبث ربما بما تبقى في غياهب روحه من أمل. لا تجرب مطلقًا التعاطي مع أعراضه، ستكون وحدك المتلقي لردود فعله. يرخي رُسن تطلعاته للغد، ويتركه يأتي كما شاء، لم يعد يفرق كثيرًا ما سيأتيه به الغد.

بالأمس كان كالجبل، أشمَّ الأنف، آماله تجاوزت الواقع بأشواط، واليوم ينازع جاهداً ليأتي بالغد. بالأمس كانت أمنياته كثيرة، واليوم له حلم واحد: أن يقف دون مساعدة على قدميه. هل سأراه يومًا كما كان، جبارًا عظيمًا؟
بقلم الكاتبة متمردة مزاجية 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا.بقلم الكاتبة: لانا خربوش

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا. لا أعلم من أنت، ولا كيف وجدت هذه الرسالة، ولا حتى إن كنت تقرأها في لحظة صمت أم وسط ضجيج العالم، لكن إن كانت هذه الكلمات قد وصلت إليك، فهذا يعني أن شيئًا ما أراد لها أن تبقى، أن تُسمَع، أن تعبر الحدود التي لم أكن أراها يومًا. أكتب إليك من زمن لم يعد يشبه نفسه، من مدينة كانت يومًا تنبض بالحياة، لكنها لا تعكس سوى أصداء الماضي. الطرقات هنا تعرف أسماء الغائبين، تحفظ خطواتهم حتى بعد أن غابت أجسادهم، وكأن الزمن يرفض أن يطوي ذكراهم. كنت أحدهم، أمضي دون أن أترك أثرًا يُذكر، أو ربما كنت أعتقد ذلك، حتى أدركت أن ما نتركه خلفنا ليس مجرد أشياء، بل لحظات، كلمات، ومشاعر تختبئ في الزوايا لمن يلتقطها ذات يوم. نحن دائمًا نبحث عن إجابات، نحاول أن نفهم ما لا يُفهم. لكن الحقيقة أن بعض الأسئلة خُلقت لتظل مفتوحة؛ لترافقنا لا لتعطينا يقينًا. كنا نحلم بالخلود، لكننا نسينا أن الخلود ليس أن نبقى، بل أن تظل أجزاء منا تسكن الأزمنة القادمة، في كتاب يُقرأ، في قصة تُروى، في رسالة تصل ولو بعد غياب طويل. هناك أشياء لم تُكتب بعد، وهناك حكايات لم تُروَ. الكاتبة: لانا خربوش

حين يُفكّر المستقبل‏ بقلم الكاتبة: ميس الرّيم جناجرة/ فلسطين ‏

العنوان: حين يُفكّر المستقبل ‏ الساعةُ الثانيةُ من منتصفِ الليل،   ‏وليالي تشرينَ الثاني التي اعتادَ بردُها أن يَنخُرَ الأجساد،   ‏ولكن في هذه الليلة، شِدّةُ التفكيرِ بالمستقبل هي التي نَشَرت جميعَ أجزاءِ جسدي بدلًا من البرد. ‏ ‏وعندما وصلت إلى صدري، وجدتهُ مكتظًّا بما لا يستطيعُ البوحَ به،   ‏ومن شِدّةِ برده، وجدتهُ تارةً يَفترسُ كوبًا من الشاي بِشراسة، علّهُ يَلتحفُ بحرارتها،   ‏وتارةً أخرى، يَجدُها موقدةً مُشتعلة، والحطب... قلبي يُحاولُ إطفاءها. ‏ ‏أمّا مَعِدتي، فَتَلتهمُ التفكيرَ في مستقبلي، تَـمضَغُهُ بقوّة، علّها تُريحني، لكنْ دونَ جدوى.   ‏أَتَقيّأُ ذلكَ التفكير، ويَعودُ مجددًا يُلازِمني، لا يُريدُ مُفارقتي،   ‏ويتغذّى على دُموعي كلَّ ليلة، ليتجدّدَ يوميًا... ويُرهقَني قلقًا على القادم،   ‏وهل ستأخذنا الرحلة كما نسعى؟ ‏ ‏ـ ميس الرّيم جناجرة/ فلسطين

حوار صحفي مع الكاتبة السورية ميشلين موسىفي مجلة إيلزا الأدبية الجزائرية

 حوار صحفي مع الكاتبة: ميشلين موسى في هذا العدد من مجلة إيلزا، نفتح نافذة على تجربة إنسانية تتجاوز حدود المهنة الواحدة، والهوية الواحدة، والمسار الواحد. ضيفتنا في هذا الحوار هي الكاتبة ميشلين موسى، من سوريا، تبلغ من العمر 37 عاماً، حاصلة على شهادة معهد هندسة، وتمتلك تجربة سابقة في مجال التدريس، حيث أسهمت في تنمية مهارات التعليم والتواصل. تكرّس اليوم جزءاً كبيراً من وقتها للقراءة والكتابة، وقد نشرت عدة مقالات في مجلات إلكترونية، مما ساهم في صقل أسلوبها التعبيري وتوسيع رؤيتها الفكرية. إلى جانب ذلك، تعمل في مجال التجميل، حيث تجد شغفها في إبراز الجمال والعناية بالتفاصيل. وهي متزوجة وأم لطفلين، وتسعى دائماً لتحقيق توازن بين حياتها الشخصية وتطورها المهني والذاتي. في هذا اللقاء، لا نتوقف عند السيرة المهنية بقدر ما نحاول ملامسة الخيط الخفي الذي يربط التفاصيل ببعضها، ويحوّل الحياة اليومية إلى مساحة للتأمل والكتابة. 1. من الهندسة إلى التجميل ثم الكتابة… يبدو المسار متنوعًا، لكن ما الخيط الخفي الذي يجمع كل هذه التجارب في حياتكِ؟ الخيط الذي يجمع كل هذه المسارات هو شغفي بالتفاصيل ومحاولتي الدائ...