حوار صحفي مع الكاتبة بالغراب كلثوم

 بلغراب كلثوم… حين تتحوّل الكتابة إلى نجاة، ويولد الأمل من رحم الألم 

في عوالمٍ يختلط فيها الصمت بالبوح، ويولد المعنى من قلب المعاناة، تبرز الكاتبة بلغراب كلثوم كصوت أدبي يحمل حساسية خاصة تجاه تفاصيل الحياة وتقلباتها. من قسنطينة، مدينة الجسور والحكايات العتيقة، انطلقت رحلتها لتصنع من الكلمات وطنًا، ومن الألم دربًا نحو الأمل. في هذا الحوار، نقترب من عالمها الداخلي، حيث تتقاطع الهندسة المعمارية مع الأدب، وتتماهى اللوحة مع النص، لنكتشف كيف تحوّلت الكتابة لديها من مجرد موهبة إلى وسيلة للفهم، والعلاج، وإعادة تشكيل الذات وسط عواصف الحياة.
1. بدايةً، من هي بلغراب كلثوم بعيدًا عن الألقاب والشهادات؟
ج/ أنا سكينة الليل إذا عسعس،
وقوة البحر إذا غضب،
مُزِجت روحي بخليط من صلابة الصخر واللين والحنية،
لا أشبه أي عابر، فأنا الهيبة بدون غرور،
الثابتة وقت الانكسار، والصارخة في صمتي.

وكيف تصفين رحلتك من قسنطينة إلى عالم الكتابة والإبداع؟
ج/ قسنطينة مدينة الإلهام، كيف لي أن أترعرع في مدينة العلم والعلماء ولا أكون كاتبة؟ ففي كل زاوية فيها حكايات وقصص، «حكاية بايات ودايات وجسور وأبواب…».

2. درستِ الهندسة المعمارية إلى غاية الماستر، كيف انعكس هذا التخصص على طريقتك في التفكير والكتابة وحتى في رؤيتك للحياة؟
ج/ قال الأديب الفرنسي فيكتور هوغو: «العمارة هي الكتاب العظيم للبشرية». فالعمارة تُشيّد بالحجر، والأدب يُشيّد بالكلمات الجميلة، والحياة تحتضنهما معًا. وكما يُقال: المعماري يرسم بيتًا تسكنه الأجساد، والأديب يرسم معنى تسكنه الأرواح. فالمدن والأزقة وأنواع البنايات المختلفة تحكي التاريخ، وتروي ثقافة وعادات أصحابها الذين تركوا بصمتهم وإحساسهم في المكان.

3. عنوان كتابك “الخير يكمن في ما تراه شرًا” يحمل الكثير من العمق، ما الفكرة الأساسية التي أردتِ إيصالها من خلال هذا العمل؟
ج/ في زمن مليء بالتناقضات، حيث تختلط الأفكار وتتضارب المشاعر بين السعادة والحزن، جاء عملي «الخير يكمن في ما تراه شرًا» ليؤكد على تقبّل تقلبات الحياة، والتراقص مع عواصف الابتلاءات. هو كتاب يذكّر القارئ بالتشبث بحبل النجاة، وأن يصنع حياةً حتى وهو في غمار الصعوبات.

4. هل كانت الكتابة بالنسبة لكِ موهبة فقط، أم أنها كانت أيضًا وسيلة للهروب أو العلاج أو فهم الذات؟
ج/ كان القلب ينبض بهواية كتابة كتاب فقط، لكن القدر كان له رأي آخر. إذا دخلت مجال الكتابة، تهتَ في عوالمه، تبحث عن مخرج فلا تجده… وهي بالفعل وسيلة لكل ما ذُكر.

5. الرسم والكتابة عالمان متقاربان في الإحساس، كيف تعيشين علاقتك مع الرسم؟ وهل تجدين نفسكِ في اللوحة أكثر أم في النص؟
ج/ العلاقة متشابهة؛ كلاهما هدوء وعزلة، جلوس في سلام مع الورق بعيدًا عن تقلب القلوب وتغير الوجوه، فهما على الأقل لا يحدثان ضجيج النفاق.
6. شاركتِ في مسابقات أدبية تابعة لمجلة كيفوك جيهان، ماذا أضافت لكِ هذه التجارب؟
ج/ كانت تجربة جميلة جدًا ضمن فريق متفاعل من مختلف الدول العربية، يسعى للتشجيع وتصحيح الأخطاء. التجربة علمتني أن المواصلة رغم الفشل هي الطريق، فكل تعثر هو بداية جديدة بحماس أكبر.

7. كتبتِ شعرًا عن فلسطين ونُشر في جريدة الجنوب الكبير، ماذا تمثل لكِ القضية الفلسطينية؟
ج/ القضية قضيتنا جميعًا، ونصرهم هو نصرنا، فنحن كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد.

8. كيف كانت تجربتك كضيفة في إذاعة قسنطينة؟
ج/ كانت مزيجًا من الحماس والتوتر والثقة. الحديث المباشر ليس سهلًا، لكن مع البداية يتحول التركيز إلى الرسالة، فتتلاشى رهبة اللحظة.

9. هل ما زال الأدب قادرًا على التأثير وسط سرعة العالم؟
ج/ بالطبع، فالأدب رسالة نبيلة، ومهما تطورت الوسائل لا يمكن التخلي عنه، بل يمكن فقط تطوير طرق نشره لتواكب العصر.

10. ما الرسالة التي تحبين أن تتركيها في قلوب قرّائك؟
ج/ أتمنى أن تلامس كتاباتي قلوبهم، وأن يجدوا فيها حلولًا لحيرتهم، وأذكّرهم دائمًا أن كل مرّ سيمر، وأن الخير يكمن في ما يرونه شرًا، وأن يصنعوا حياة من ابتلاءاتهم.

في حديث بلغراب كلثوم، لا تبدو الكتابة ترفًا فكريًا ولا هواية عابرة، بل نافذة نجاة حقيقية وصوتًا يعيد ترميم الإنسان من الداخل. بين الأدب والرسم، وبين صرامة الهندسة وشفافية الإحساس، تنسج عالمها الخاص القائم على المعنى والصدق. هي تجربة شابة تؤكد أن الكلمة الصادقة لا تفقد بريقها مهما تسارع الزمن، وأن الأمل يولد حتى من قلب الألم… وأن كل انكسار يحمل في طياته بداية جديدة.

حاورتها / أسماء أقيس
رئيسة التحرير: بشرى دلهوم

اضف تعليق

أحدث أقدم