التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حوار صحفي مع الكاتبة فاطمة القاضي

بين صرامة الخبر وحرية السرد… حوار مع الكاتبة فاطمة القاضي التي تكتب العالم مرتين: كصحفية تلتقط الحقيقة، وكروائية تعيد خلقها في رواياتها 
في زمن تتسارع فيه الأخبار حدّ التلاشي، وتتشابك فيه الحقيقة مع الضجيج الرقمي، يظلّ الصوت المهني الواعي قادرًا على إعادة الاعتبار للكلمة الجادة، سواء جاءت في صيغة خبر صحفي أو داخل عمل روائي يحمل أسئلة الإنسان الكبرى.
في هذا الحوار، نقترب من تجربة الكاتبة والصحفية التي استطاعت أن تجمع بين صرامة العمل الإخباري وعمق الكتابة الأدبية، لتقدّم رؤية مختلفة حول الصحافة، والرواية، والإنسان في عالم يمتلئ بالسجالات والصراعات والتحولات المتسارعة.
نتحدث معها عن كواليس العمل في الأخبار العالمية، وعن روايتها مملكة السجال، وعن العلاقة المعقدة بين الواقع والخيال، وبين العقل الصحفي والروح الأدبية، في حوار يكشف الكثير من التفاصيل الفكرية والإنسانية خلف تجربتها الإبداعية.


حوار مع الكاتبة حول الصحافة والرواية ورؤية الإنسان في عالم متغيّر

س/ بصفتكِ محررة أخبار عالمية، كيف ترين تأثير سرعة تداول الأخبار اليوم على مصداقية العمل الصحفي وجودته؟

ج/ السرعة الرقمية اليوم تحاول تحويل الصحافة من رسالة استقصائية إلى مجرد “سباق تريند”.
بصفتي محررة أخبار عالمية، أرى أن المتضرر الأكبر من هذه الهرولة هو العمق والتوثيق. لقد أصبح التحدي الحقيقي اليوم ليس في مَن ينشر أولاً، بل في مَن يملك الشجاعة ليتباطأ قليلاً من أجل تقديم الحقيقة كاملة ومجردة.
المصداقية هي رأس مال الصحفي، والسرعة بلا وعي هي انتحار مهني؛ لذا تظل جودة التحرير والتدقيق هي خط الدفاع الأخير عن وعي الشعوب.


س/ ما الفرق بين طريقة تعاملكِ مع الخبر كصحفية، وتعاملِكِ مع الفكرة حين تتحول إلى عمل روائي داخل رواية مملكة السجال؟

ج/ الخبر الصحفي يتعامل مع “سطح الحدث”؛ أقف أمامه بصرامة الحياد والموضوعية، كعدسة ناقلة لا تتدخل في رسم المشهد بل توثقه.
أما الفكرة حين تهاجر إلى عالم مملكة السجال، فإنها تتحول إلى “تشريح للعمق الإنساني”.
الصحافة تمنحني الواقع عارياً، بينما الرواية تمنحني الحق في إعادة صياغة هذا الواقع واستنطاق الصامتين فيه.
الخبر يروي ما جرى للأجساد والدول، والرواية تروي ما جرى للأرواح والمشاعر.


س/ كيف ساعدتكِ دراسة الخدمة الاجتماعية في فهم الشخصيات الإنسانية سواء في الصحافة أو الكتابة الروائية؟

ج/ الخدمة الاجتماعية لم تكن بالنسبة لي مجرد شهادة أكاديمية، بل كانت “مشرطاً جراحياً” لفهم النفس البشرية وتفكيك صراعاتها.
في عالم الصحافة، علمتني هذه الدراسة أن وراء كل رقم إخباري جاف مأساة إنسانية تستحق الأنسنة.
وفي الرواية، منحتني القدرة على بناء شخوص مملكة السجال من لحم ودم؛ فالأديب لا يخترع شخصيات من العدم، بل يعيد ترتيب الدوافع، والعقد النفسية، والظروف الاجتماعية التي رآها ودرسها في الواقع، ليخلق بطلاً روائياً يتنفس واقعية.


س/ هل تعتقدين أن الصحفي الناجح يمكن أن يكون روائيًا ناجحًا بالضرورة، أم أن لكل مجال أدواته المختلفة؟

ج/ بالتأكيد لا؛ فالصحافة والرواية جارتان تشتركان في حبر القلم لكنهما تسكنان في قارات فكرية مختلفة.
الصحافة تُدربك على الاختزال، والمباشرة، والالتزام بالحقائق المادية.
بينما الرواية تتطلب الهروب من المباشرة إلى المجاز، ومن الحقيقة المادية إلى الحقيقة الفنية المعتمدة على الخيال وبناء العوالم.
الصحفي قد يملك المادة الخام للحكايات بحكم عمله، لكن تحويل هذه المادة إلى نص أدبي مدهش يتطلب أدوات روائية خاصة ونَفَساً إبداعياً طويلاً.


س/ ما أبرز القضايا أو التحديات التي تحرصين على تسليط الضوء عليها من خلال عملكِ في الأخبار العالمية؟

ج/ أحرص على محاربة “تنميط الإنسان” في التغطيات الدولية.
الأزمات العالمية، والحروب، والملفات السياسية غالباً ما تُطرح بلغة الأرقام والخرائط الصماء.
ما يهمني ويحرك قلمي هو إعادة الوجه الإنساني لهذه الأخبار؛ أن يسأل القارئ نفسه عن مصير العائلات خلف هذه الأرقام.
أسلط الضوء على قضايا الهوية، وصراع البقاء في مناطق النزاع، وكيف تدفع الشعوب البسيطة فواتير الصراعات الجيوسياسية الكبرى.


س/ رواية مملكة السجال تحمل عنوانًا لافتًا، ماذا يمثل “السجال” بالنسبة لكِ على المستوى الفكري أو الإنساني؟

ج/ السجال هو النبض الحقيقي للوجود.
الكون لم يتطور بالتشابه بل بالاختلاف؛ والتصادم الفكري والإنساني هو الذي يولد الوعي.
في مملكة السجال، لا أطرح الجدال كأداة للهدم، بل كمرآة تعكس الصراع الأزلي بين ثنائيات الحياة: الحق والباطل، المادة والروح، والشرق والغرب.
السجال على المستوى الفكري هو رفض للركود والمسلمات الجاهزة، وعلى المستوى الإنساني هو محاولة مستمرة من البشر لفهم أنفسهم وفهم الآخر حتى وإن اختلفوا معه.


س/ كيف توفقين بين الجانب المهني الصارم في الصحافة، والجانب العاطفي والإبداعي في الكتابة الأدبية؟

ج/ لا أرى بينهما تعارضاً، بل هما يمثلان شهيق وزفير قلمي.
الجانب الصحفي الصارم يمنحني الانضباط العقلاني، والدقة، وقدرة الملاحظة الحادة للواقع.
وعندما ينتهي يومي الصحفي، أتحول إلى الكتابة الأدبية كمتنفس عاطفي أتحرر فيه من القيود الإخبارية.
الصحافة تحمي رواياتي من السقوط في المبالغات غير الواقعية، والرواية تحمي قلمي الصحفي من الجفاف والآلية.
أحدهما يغذي العقل والآخر يحيي الروح.


س/ إلى أي مدى أثرت البيئة المصرية والثقافة المحلية على أسلوبكِ في الكتابة وصياغة أفكاركِ؟

ج/ مصر ليست مجرد جغرافيا أعيش فيها، بل هي مخزون درامي وتاريخي وثقافي يسكن في لاوعي قلمي.
الشارع المصري، تفاصيل المقهى، حكايا الجدات، الصبر الطويل في عيون البسطاء، والروح الفريدة للمجتمع؛ كلها عناصر تمنح كتاباتي هويتها ورصانتها.
الثقافة المصرية علمتني أن الأديب لا يصل إلى العالمية إلا إذا غاص في تفاصيل محليته وصدق مع ناسه؛ فالخصوصية المصرية هي الحبر السري الذي يجعل الحرف دافئاً وقريباً من قلب أي قارئ عربي.


س/ في زمن المحتوى السريع، هل ما زال القارئ العربي يمنح الرواية والحوارات الفكرية العميقة وقتًا واهتمامًا حقيقيًا؟

ج/ نعم، والرهان على وعي القارئ العربي رهان رابح دائماً.
الوجبات الثقافية السريعة والسطحية التي تملأ الفضاء الرقمي قد تشبع الفضول اللحظي، لكنها تترك العقل جائعاً في النهاية.
القارئ يعود دائماً للرواية العميقة والحوار الفكري الرصين لأنهما الوحيدان القادران على ملامسة أسئلته الوجودية الكبرى ومخاطبة عقله بشكل محترم.
معارض الكتاب والإقبال على الأعمال الفكرية يثبتان أن العمق له جمهور وفيّ يقتطع له أغلى أوقاته.


س/ ما الرسالة أو الأثر الذي تتمنين أن يخرج به القارئ بعد قراءة مملكة السجال أو متابعة أعمالكِ الصحفية؟

ج/ في العمل الصحفي، أتمنى أن يخرج القارئ بوعي أعمق يجعله شريكاً في قضايا العالم وليس مجرد متفرج محايد.
أما في مملكة السجال وأعمالي الروائية، فلا أطمح لتقديم إجابات مريحة، بل أتمنى أن أزرع في عقل القارئ “تساؤلات حية”.
الأثر الأجمل الذي أطمح إليه ككاتبة هو أن يغلق القارئ روايتي ليجد نفسه ينظر إلى العالم، وإلى الصراعات البشرية، بنظرة أكثر عمقاً ورحمة وتسامحاً.


بين صخب غرف الأخبار وهدوء الكتابة الروائية، تواصل الكاتبة بناء مشروعها الفكري والإنساني انطلاقًا من إيمانها بأن الكلمة ليست مجرد وسيلة للبوح أو نقل الأحداث، بل أداة لفهم العالم وإعادة مساءلته.
في هذا الحوار، بدت رؤيتها واضحة تجاه الصحافة بوصفها مسؤولية أخلاقية، والرواية باعتبارها مساحة أعمق لاستكشاف الإنسان وأسئلته الوجودية.
وربما هذا ما يجعل تجربتها مختلفة؛ فهي لا تكتب لتمنح القارئ إجابات جاهزة، بل لتدفعه إلى التفكير، وإعادة النظر في التفاصيل التي تمرّ غالبًا بصمت وسط ضجيج العالم.

#مؤسسة مجلة إيلزا الأدبية الجزائرية #
#المديرة التنفيذية بشرى دلهوم #
#الصحفية أسماء أقيس#

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا.بقلم الكاتبة: لانا خربوش

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا. لا أعلم من أنت، ولا كيف وجدت هذه الرسالة، ولا حتى إن كنت تقرأها في لحظة صمت أم وسط ضجيج العالم، لكن إن كانت هذه الكلمات قد وصلت إليك، فهذا يعني أن شيئًا ما أراد لها أن تبقى، أن تُسمَع، أن تعبر الحدود التي لم أكن أراها يومًا. أكتب إليك من زمن لم يعد يشبه نفسه، من مدينة كانت يومًا تنبض بالحياة، لكنها لا تعكس سوى أصداء الماضي. الطرقات هنا تعرف أسماء الغائبين، تحفظ خطواتهم حتى بعد أن غابت أجسادهم، وكأن الزمن يرفض أن يطوي ذكراهم. كنت أحدهم، أمضي دون أن أترك أثرًا يُذكر، أو ربما كنت أعتقد ذلك، حتى أدركت أن ما نتركه خلفنا ليس مجرد أشياء، بل لحظات، كلمات، ومشاعر تختبئ في الزوايا لمن يلتقطها ذات يوم. نحن دائمًا نبحث عن إجابات، نحاول أن نفهم ما لا يُفهم. لكن الحقيقة أن بعض الأسئلة خُلقت لتظل مفتوحة؛ لترافقنا لا لتعطينا يقينًا. كنا نحلم بالخلود، لكننا نسينا أن الخلود ليس أن نبقى، بل أن تظل أجزاء منا تسكن الأزمنة القادمة، في كتاب يُقرأ، في قصة تُروى، في رسالة تصل ولو بعد غياب طويل. هناك أشياء لم تُكتب بعد، وهناك حكايات لم تُروَ. الكاتبة: لانا خربوش

حين يُفكّر المستقبل‏ بقلم الكاتبة: ميس الرّيم جناجرة/ فلسطين ‏

العنوان: حين يُفكّر المستقبل ‏ الساعةُ الثانيةُ من منتصفِ الليل،   ‏وليالي تشرينَ الثاني التي اعتادَ بردُها أن يَنخُرَ الأجساد،   ‏ولكن في هذه الليلة، شِدّةُ التفكيرِ بالمستقبل هي التي نَشَرت جميعَ أجزاءِ جسدي بدلًا من البرد. ‏ ‏وعندما وصلت إلى صدري، وجدتهُ مكتظًّا بما لا يستطيعُ البوحَ به،   ‏ومن شِدّةِ برده، وجدتهُ تارةً يَفترسُ كوبًا من الشاي بِشراسة، علّهُ يَلتحفُ بحرارتها،   ‏وتارةً أخرى، يَجدُها موقدةً مُشتعلة، والحطب... قلبي يُحاولُ إطفاءها. ‏ ‏أمّا مَعِدتي، فَتَلتهمُ التفكيرَ في مستقبلي، تَـمضَغُهُ بقوّة، علّها تُريحني، لكنْ دونَ جدوى.   ‏أَتَقيّأُ ذلكَ التفكير، ويَعودُ مجددًا يُلازِمني، لا يُريدُ مُفارقتي،   ‏ويتغذّى على دُموعي كلَّ ليلة، ليتجدّدَ يوميًا... ويُرهقَني قلقًا على القادم،   ‏وهل ستأخذنا الرحلة كما نسعى؟ ‏ ‏ـ ميس الرّيم جناجرة/ فلسطين

حوار صحفي مع الكاتبة السورية ميشلين موسىفي مجلة إيلزا الأدبية الجزائرية

 حوار صحفي مع الكاتبة: ميشلين موسى في هذا العدد من مجلة إيلزا، نفتح نافذة على تجربة إنسانية تتجاوز حدود المهنة الواحدة، والهوية الواحدة، والمسار الواحد. ضيفتنا في هذا الحوار هي الكاتبة ميشلين موسى، من سوريا، تبلغ من العمر 37 عاماً، حاصلة على شهادة معهد هندسة، وتمتلك تجربة سابقة في مجال التدريس، حيث أسهمت في تنمية مهارات التعليم والتواصل. تكرّس اليوم جزءاً كبيراً من وقتها للقراءة والكتابة، وقد نشرت عدة مقالات في مجلات إلكترونية، مما ساهم في صقل أسلوبها التعبيري وتوسيع رؤيتها الفكرية. إلى جانب ذلك، تعمل في مجال التجميل، حيث تجد شغفها في إبراز الجمال والعناية بالتفاصيل. وهي متزوجة وأم لطفلين، وتسعى دائماً لتحقيق توازن بين حياتها الشخصية وتطورها المهني والذاتي. في هذا اللقاء، لا نتوقف عند السيرة المهنية بقدر ما نحاول ملامسة الخيط الخفي الذي يربط التفاصيل ببعضها، ويحوّل الحياة اليومية إلى مساحة للتأمل والكتابة. 1. من الهندسة إلى التجميل ثم الكتابة… يبدو المسار متنوعًا، لكن ما الخيط الخفي الذي يجمع كل هذه التجارب في حياتكِ؟ الخيط الذي يجمع كل هذه المسارات هو شغفي بالتفاصيل ومحاولتي الدائ...