التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حين كتبَ سليم الحكاية بقلم ليلى عبدالله قاسم

حين كتبَ سليم الحكاية

في مساءٍ هادئ…
جلستِ الكاتبةُ أمام أوراقها،
وأمسكت بقلمها… كأنها تمسك بخيطٍ خفيّ يصلها بقلوبٍ صغيرةٍ لا تُجيد البوح.
قالت في نفسها:
“سأكتب اليوم عن أدب الطفل… عن عالمٍ لا يراه الكبار كما ينبغي.”
لكن…
ما إن لامس القلم الورق،
حتى سبقها صوتٌ صغير
كأن طفلًا قرر أن يكتب بدلًا عنها.
“اسمي سليم…”
هكذا بدأت الحكاية.
“لم أكن أعرف متى بدأ بيتُنا… يتغيّر،
كان كل شيء يبدو عاديًا…
إلا القلوب.”
كان سليم طفلًا هادئًا،
يحفظ ضحكة أمه،
وينتظر عودة أبيه… كأنها عيد.
لكن الأيام
تغيّرت.
لم تعد الضحكات كما كانت،
وصار البيت مزدحمًا بالصمت.
وفي يومٍ لم يفهمه…
اجتمع الكبار طويلًا، وتكلموا أكثر،
ثم افترقوا.
ورحل الأب.
يقول سليم:
“ظننتُ أن أبي سيعود في المساء…
لكنه تأخر كثيرًا…
تأخر… لدرجة أنني كبرتُ قليلًا وأنا أنتظره.”
لم يكن الألم في الرحيل فقط،
بل في ذلك الفراغ الذي لا يُرى…
لكن يُشعَر به في كل زاوية.
صار يسأل نفسه كل ليلة:
“هل كنتُ سببًا؟
هل أخطأتُ… دون أن أعلم؟”
لكن
لا أحد كان يسمع.
لأن الكبار…
كانوا مشغولين بأوجاعهم.
مرت الأيام…
وكبرت الأسئلة في قلب طفلٍ صغير.
رأى أمه تحاول أن تكون قوية،
ورأى العالم… أصغر من أن يحتوي حزنه.
وفي مرة…
رسم سليم عائلة:
أب… وأم… وطفل.
ثم توقف قليلًا…
ومسح الأب…
وأكمل الرسم.
هنا…
توقّف قلم الكاتبة.
شعرت أن الحكاية لم تعد حكاية،
بل حقيقة… تتكرر في بيوتٍ كثيرة.
فكتبت
بصوتٍ لم يكن صوتها وحدها:
“أيها الكبار…
الأطفال ليسوا أمتعة تُنقَل عند الفراق،
ولا تفاصيل صغيرة تُنسى في زحام الخلافات.
الطفل… حقٌ يبدأ قبل ولادته،
ويحتاج منذ البداية إلى بيئة آمنة…
وجوٍّ من المودّة والرحمة،
لكي ينشأ نفسياً سليمًا،
ويكبر وهو يشعر بالطمأنينة،
ويعرف أن قلبه مكان آمن.”
ثم عادت إلى سليم…
كان يجلس في شرفته،
ينظر إلى السماء،
كأنه يبحث عن شيءٍ يعرفه… ولا يصل إليه.
اقتربت منه أمه يومًا،
وضمّته… دون كلمات.
وفي تلك اللحظة
لم يعد يحتاج إجابة،
كان فقط يحتاج أن يشعر…
أنه ليس وحده.
أغلقت الكاتبة دفترها،
لكنها أدركت شيئًا واحدًا:
أن الأطفال…
لا يحتاجون قصصًا نكتبها لهم فقط،
بل يحتاجون حياةً…
لا تُكسَر فيها قلوبهم،
وبيئةً تُنشئهم على الحب والاحترام،
لتكون أسس شخصياتهم متينة…
وتنمو أرواحهم على الأمان والثقة.
وفي السطر الأخير… كتبت:
“إن لم تستطع أن تمنح طفلك حبًا كاملًا،
فلا تحرمه عدلًا بسيطًا…
فبعض الأطفال
لا يريدون أكثر من
قلبٍ…
لا يغيب.”
✍️ ليلى عبدالله قاسم 🇪🇬

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

( الشيروبيم) بقلم الكاتبة مروة صالح السورية

( الشيروبيم) مقدمة: في مكانٍ ما على سطح وجهها النقي ارتفعت الأمواج وأغرقت جُزراً بنية تحدّها شطآن وردية هذه الجزر التي لا نبحر إليها بل تبحر بنا إلى عالم لا يعرف الحروب ولا الجراح يقال إن الملائكة لا تُرى لكن هنا... ترسل السماء نوراً يجعل الزمن يحني رأسه إجلالاً لهذه اللحظة الخالدة التي سنشاهد فيها الشيروبيم يتجلى على هيئة ابتسامة تطوي المسافة بين الغرق والنجاة وتحيي الأمل في قلب كل من يؤمن بالأساطير وبأن حياةً جديدة قد تولد بعد الغرق النص: حين تبتسم تعلو أمواج خديها فتُغرق جُزر عينيها البنيتين وتُحلّق الفلامينغو من شطآن جفنيها الورديتين تلك الجزر وشطآنها التي تنقذني كلما واجهت تيارات بحر الحياة فأمكث بها لاكتشاف أساطير حبٍ جديدة حين تبتسم وفي منتصف شفتها العلوية يبسط طائر النورس جناحيه فتتوازن خطواتي وتتلاشى انكساراتي حين تضحك تدندن ضحكاتها على أوتار عمري فتصدر سمفونية سلام تنهي حروبًا وتشفي جراحًا لا علاقة لها بها حين تضحك تنكشف ثماني لآلئ بيضاء تنثر النور في ظلمات أيامي ويولد الفجر من جديد إنها ليست مجرد حركة شفاه... إنها لحظة خلود تتوقف عندها كل الأزمنة ومن رحم هذا السكون تُولد أع...

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا.بقلم الكاتبة: لانا خربوش

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا. لا أعلم من أنت، ولا كيف وجدت هذه الرسالة، ولا حتى إن كنت تقرأها في لحظة صمت أم وسط ضجيج العالم، لكن إن كانت هذه الكلمات قد وصلت إليك، فهذا يعني أن شيئًا ما أراد لها أن تبقى، أن تُسمَع، أن تعبر الحدود التي لم أكن أراها يومًا. أكتب إليك من زمن لم يعد يشبه نفسه، من مدينة كانت يومًا تنبض بالحياة، لكنها لا تعكس سوى أصداء الماضي. الطرقات هنا تعرف أسماء الغائبين، تحفظ خطواتهم حتى بعد أن غابت أجسادهم، وكأن الزمن يرفض أن يطوي ذكراهم. كنت أحدهم، أمضي دون أن أترك أثرًا يُذكر، أو ربما كنت أعتقد ذلك، حتى أدركت أن ما نتركه خلفنا ليس مجرد أشياء، بل لحظات، كلمات، ومشاعر تختبئ في الزوايا لمن يلتقطها ذات يوم. نحن دائمًا نبحث عن إجابات، نحاول أن نفهم ما لا يُفهم. لكن الحقيقة أن بعض الأسئلة خُلقت لتظل مفتوحة؛ لترافقنا لا لتعطينا يقينًا. كنا نحلم بالخلود، لكننا نسينا أن الخلود ليس أن نبقى، بل أن تظل أجزاء منا تسكن الأزمنة القادمة، في كتاب يُقرأ، في قصة تُروى، في رسالة تصل ولو بعد غياب طويل. هناك أشياء لم تُكتب بعد، وهناك حكايات لم تُروَ. الكاتبة: لانا خربوش

حوار صحفي مع الكاتب محمد بالحياني مع مجلة إيلزا الأدبية للإناث

حوار مع الكاتب والأستاذ محمد بالحياني المقدمة: هناك كُتّاب لا يكتبون لمجرد الكتابة، بل يحاولون أن يتركوا أثرًا، أن يحركوا شيئًا في القارئ، أن يجعلوا الكلمات مرآة تعكس واقعًا أو خيالًا يحمل بصماتهم الخاصة. محمد بالحياني، أحد هؤلاء الذين اختاروا أن يكون الحرف سلاحهم، والرؤية عماد نصوصهم. في هذا الحوار، نقترب من تجربته، نغوص في أفكاره، ونكشف أسرار رحلته الأدبية. المعلومات الشخصية: الاسم: محمد بالحياني السن:27سنة البلد:الجزائر- البيض الموهبة:كاتب الحوار: س/ مرحبا بك محمد تشرفنا باستضافتك معنا اليوم بداية كيف تعرف نفسك لجمهورك ومن يتابعك دون ذكر اسمك؟  ج/في الغالب أكون متحدث سيئ عن نفسي، لكن يمكنني أن أختصر بالفعل وأقول محمد عبد الكريم بلحياني ، من ولاية البيض بالضبط بلدية المحرة ، عاشق للكتابة ورائحة الكتب ، اعمل اداري للصحة العمومية ،  انسان مهووس بتفاصيل التفاصيل ، عاشق للكتابة وما يحيط بها من حالات متناغمة من الوحدة، الجمال، والتناسق مع الطبيعة ، كان اول مؤلف لي بعنوان الخامسة صباحًا الذي شاركت به في المعرض الدولي للكتاب سيلا 23  وثاني عمل كان رواية بعنوان بروخيريا التي ش...