بين الشظايا
بين الشظايا، حيث تتكسّر المرايا التي كنا نرى بها أنفسنا، يبدأ البصر الحقيقي… لا في العينين، بل في القلب.
هناك، في الركن المنسي من أرواحنا، حين يصير الصمت أعلى من الصراخ، والألم أصدق من الكلمات، نمد أيدينا المرتعشة نحو ما تبقّى منّا.
لم نعد نبحث عن منقذ، بل عن معنى… لم نعد نرجو ضوءًا، بل دفئًا في العتمة التي ألفناها.
كأننا نولد من جديد، لا بفرح، بل بدهشة الخسارة… ووسط الشظايا، نلمح الحقيقة التي طالما تجاهلناها:
أن الانكسار ليس نهاية، بل بابًا خفيًا إلى أنفسنا الحقيقية.
---
ما أصعب أن تجمع شظاياك بيدٍ واحدة، بينما الأخرى مشغولة بتضميد نزفك.
يخيّلون لنا أن الانكسار لحظة واحدة… لكنه لا يأتي دفعةً واحدة.
ينكسر الإنسان على مراحل، مرة حين يَخذله من أحب، ومرة حين يخون نفسه ليُرضيهم، ومرة أخيرة حين لا يجد في مرآته سوى عينين مطفأتين… لا بريق فيهما، ولا سؤال.
كنت أظن أنني قويا، أنني قادرا على النجاة كل مرة، أنني إن وقعت سأقف… لكنني لم أحسب حساب الوقوع داخلي.
هنا، بين الشظايا، أدركت كم منّي قد رحل وأنا أحاول التماسك. كم ضحكة كانت قناعًا، وكم صبر كان إنكارًا، وكم حبٍّ كان وهمًا وضعته في عيونهم كي أبرر وجودي.
لم أعد أبحث عن من يُنقذني. فقط أريد أن أتنفس من صدري، لا من ذاكرة مشوها.
لكن شيئًا ما تغيّر… لا في العالم، بل فيّ.
حين تعبت من لملمة الشظايا، تركتها. لم أعد أقاوم، لم أعد أقاتل لأُعيد الصورة كما كانت.
جلست وسط الحطام، وأغمضت عينيّ، لا هروبًا… بل قبولًا.
لأول مرة لم أخف من الفراغ داخلي، لم أهرب من الصوت الذي يقول لي: "أنت لست بخير"…
نعم، لم أكن بخير، لكنني كنتُ صادقًا مع نفسي للمرة الأولى.
وهنا، بدأ الترميم.
لا بشخص جديد يدخل حياتي، ولا بكلمات مواساة من عابر لا يعلم شيئًا عمّا انكسر.
بل بشيء أبسط… بنَفَس عميق، بقهوة سكنت يدي كأنها تطفئ رعشة الذاكرة، بأغنية قديمة سمعتها ولم أبكِ، بابتسامة صغيرة على وجه غريب في الشارع جعلتني أشعر أنني ما زلت مرئيًا.
الترميم لم يكن صاخبًا. لم يأتِ بضوء أو بمعجزة.
جاء على شكل هدوءٍ مؤلم… لكنه حقيقي.
كل يوم، شظية أقلّ تؤلم. كل يوم، صدى الذكرى يخفت. كل يوم، أنا أعود… ببطء، لكن بثبات.
لم أعد كما كنت، ولن أعود…
لكنني لا أريد العودة.
لأنني الآن أعرفني أكثر، أعرف صمتي، وجعي، هشاشتي، وحتى قُوّتي التي لم أرها إلا بعد أن سقطت.
الذين كسروني ما عادوا يملكونني، والمرايا التي تهشّمت كشفت لي وجهًا ما كنت أجرؤ على النظر إليه…
وجهٌ تعب، لكنه لم يستسلم.
ربما لا زلت أمشي بين الشظايا، لكنني لم أعد أنزف مثل البارحة.
أتعلم؟ بعض الانكسارات ليست نهاية… بل بداية بلغة لا يفهمها إلا من تذوّق الصمت، ووقف على حافة نفسه دون أن يسقط.
وها أنا… لست كاملًا، لكنني حاضر.
ولعل هذا وحده، كافٍ جدًا.
تعليقات
إرسال تعليق