التخطي إلى المحتوى الرئيسي

بين الشظايا بقلم دعاء الرحمن

بين الشظايا
بين الشظايا، حيث تتكسّر المرايا التي كنا نرى بها أنفسنا، يبدأ البصر الحقيقي… لا في العينين، بل في القلب.
هناك، في الركن المنسي من أرواحنا، حين يصير الصمت أعلى من الصراخ، والألم أصدق من الكلمات، نمد أيدينا المرتعشة نحو ما تبقّى منّا.
لم نعد نبحث عن منقذ، بل عن معنى… لم نعد نرجو ضوءًا، بل دفئًا في العتمة التي ألفناها.
كأننا نولد من جديد، لا بفرح، بل بدهشة الخسارة… ووسط الشظايا، نلمح الحقيقة التي طالما تجاهلناها:
أن الانكسار ليس نهاية، بل بابًا خفيًا إلى أنفسنا الحقيقية.
---

ما أصعب أن تجمع شظاياك بيدٍ واحدة، بينما الأخرى مشغولة بتضميد نزفك.
يخيّلون لنا أن الانكسار لحظة واحدة… لكنه لا يأتي دفعةً واحدة.
ينكسر الإنسان على مراحل، مرة حين يَخذله من أحب، ومرة حين يخون نفسه ليُرضيهم، ومرة أخيرة حين لا يجد في مرآته سوى عينين مطفأتين… لا بريق فيهما، ولا سؤال.
كنت أظن أنني قويا، أنني قادرا على النجاة كل مرة، أنني إن وقعت سأقف… لكنني لم أحسب حساب الوقوع داخلي.
هنا، بين الشظايا، أدركت كم منّي قد رحل وأنا أحاول التماسك. كم ضحكة كانت قناعًا، وكم صبر كان إنكارًا، وكم حبٍّ كان وهمًا وضعته في عيونهم كي أبرر وجودي.

لم أعد أبحث عن من يُنقذني. فقط أريد أن أتنفس من صدري، لا من ذاكرة مشوها.

لكن شيئًا ما تغيّر… لا في العالم، بل فيّ.
حين تعبت من لملمة الشظايا، تركتها. لم أعد أقاوم، لم أعد أقاتل لأُعيد الصورة كما كانت.
جلست وسط الحطام، وأغمضت عينيّ، لا هروبًا… بل قبولًا.
لأول مرة لم أخف من الفراغ داخلي، لم أهرب من الصوت الذي يقول لي: "أنت لست بخير"…
نعم، لم أكن بخير، لكنني كنتُ صادقًا مع نفسي للمرة الأولى.

وهنا، بدأ الترميم.
لا بشخص جديد يدخل حياتي، ولا بكلمات مواساة من عابر لا يعلم شيئًا عمّا انكسر.
بل بشيء أبسط… بنَفَس عميق، بقهوة سكنت يدي كأنها تطفئ رعشة الذاكرة، بأغنية قديمة سمعتها ولم أبكِ، بابتسامة صغيرة على وجه غريب في الشارع جعلتني أشعر أنني ما زلت مرئيًا.

الترميم لم يكن صاخبًا. لم يأتِ بضوء أو بمعجزة.
جاء على شكل هدوءٍ مؤلم… لكنه حقيقي.
كل يوم، شظية أقلّ تؤلم. كل يوم، صدى الذكرى يخفت. كل يوم، أنا أعود… ببطء، لكن بثبات.
لم أعد كما كنت، ولن أعود…
لكنني لا أريد العودة.
لأنني الآن أعرفني أكثر، أعرف صمتي، وجعي، هشاشتي، وحتى قُوّتي التي لم أرها إلا بعد أن سقطت.
الذين كسروني ما عادوا يملكونني، والمرايا التي تهشّمت كشفت لي وجهًا ما كنت أجرؤ على النظر إليه…
وجهٌ تعب، لكنه لم يستسلم.

ربما لا زلت أمشي بين الشظايا، لكنني لم أعد أنزف مثل البارحة.
أتعلم؟ بعض الانكسارات ليست نهاية… بل بداية بلغة لا يفهمها إلا من تذوّق الصمت، ووقف على حافة نفسه دون أن يسقط.
وها أنا… لست كاملًا، لكنني حاضر.
ولعل هذا وحده، كافٍ جدًا.

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

( الشيروبيم) بقلم الكاتبة مروة صالح السورية

( الشيروبيم) مقدمة: في مكانٍ ما على سطح وجهها النقي ارتفعت الأمواج وأغرقت جُزراً بنية تحدّها شطآن وردية هذه الجزر التي لا نبحر إليها بل تبحر بنا إلى عالم لا يعرف الحروب ولا الجراح يقال إن الملائكة لا تُرى لكن هنا... ترسل السماء نوراً يجعل الزمن يحني رأسه إجلالاً لهذه اللحظة الخالدة التي سنشاهد فيها الشيروبيم يتجلى على هيئة ابتسامة تطوي المسافة بين الغرق والنجاة وتحيي الأمل في قلب كل من يؤمن بالأساطير وبأن حياةً جديدة قد تولد بعد الغرق النص: حين تبتسم تعلو أمواج خديها فتُغرق جُزر عينيها البنيتين وتُحلّق الفلامينغو من شطآن جفنيها الورديتين تلك الجزر وشطآنها التي تنقذني كلما واجهت تيارات بحر الحياة فأمكث بها لاكتشاف أساطير حبٍ جديدة حين تبتسم وفي منتصف شفتها العلوية يبسط طائر النورس جناحيه فتتوازن خطواتي وتتلاشى انكساراتي حين تضحك تدندن ضحكاتها على أوتار عمري فتصدر سمفونية سلام تنهي حروبًا وتشفي جراحًا لا علاقة لها بها حين تضحك تنكشف ثماني لآلئ بيضاء تنثر النور في ظلمات أيامي ويولد الفجر من جديد إنها ليست مجرد حركة شفاه... إنها لحظة خلود تتوقف عندها كل الأزمنة ومن رحم هذا السكون تُولد أع...

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا.بقلم الكاتبة: لانا خربوش

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا. لا أعلم من أنت، ولا كيف وجدت هذه الرسالة، ولا حتى إن كنت تقرأها في لحظة صمت أم وسط ضجيج العالم، لكن إن كانت هذه الكلمات قد وصلت إليك، فهذا يعني أن شيئًا ما أراد لها أن تبقى، أن تُسمَع، أن تعبر الحدود التي لم أكن أراها يومًا. أكتب إليك من زمن لم يعد يشبه نفسه، من مدينة كانت يومًا تنبض بالحياة، لكنها لا تعكس سوى أصداء الماضي. الطرقات هنا تعرف أسماء الغائبين، تحفظ خطواتهم حتى بعد أن غابت أجسادهم، وكأن الزمن يرفض أن يطوي ذكراهم. كنت أحدهم، أمضي دون أن أترك أثرًا يُذكر، أو ربما كنت أعتقد ذلك، حتى أدركت أن ما نتركه خلفنا ليس مجرد أشياء، بل لحظات، كلمات، ومشاعر تختبئ في الزوايا لمن يلتقطها ذات يوم. نحن دائمًا نبحث عن إجابات، نحاول أن نفهم ما لا يُفهم. لكن الحقيقة أن بعض الأسئلة خُلقت لتظل مفتوحة؛ لترافقنا لا لتعطينا يقينًا. كنا نحلم بالخلود، لكننا نسينا أن الخلود ليس أن نبقى، بل أن تظل أجزاء منا تسكن الأزمنة القادمة، في كتاب يُقرأ، في قصة تُروى، في رسالة تصل ولو بعد غياب طويل. هناك أشياء لم تُكتب بعد، وهناك حكايات لم تُروَ. الكاتبة: لانا خربوش

حوار صحفي مع الكاتب محمد بالحياني مع مجلة إيلزا الأدبية للإناث

حوار مع الكاتب والأستاذ محمد بالحياني المقدمة: هناك كُتّاب لا يكتبون لمجرد الكتابة، بل يحاولون أن يتركوا أثرًا، أن يحركوا شيئًا في القارئ، أن يجعلوا الكلمات مرآة تعكس واقعًا أو خيالًا يحمل بصماتهم الخاصة. محمد بالحياني، أحد هؤلاء الذين اختاروا أن يكون الحرف سلاحهم، والرؤية عماد نصوصهم. في هذا الحوار، نقترب من تجربته، نغوص في أفكاره، ونكشف أسرار رحلته الأدبية. المعلومات الشخصية: الاسم: محمد بالحياني السن:27سنة البلد:الجزائر- البيض الموهبة:كاتب الحوار: س/ مرحبا بك محمد تشرفنا باستضافتك معنا اليوم بداية كيف تعرف نفسك لجمهورك ومن يتابعك دون ذكر اسمك؟  ج/في الغالب أكون متحدث سيئ عن نفسي، لكن يمكنني أن أختصر بالفعل وأقول محمد عبد الكريم بلحياني ، من ولاية البيض بالضبط بلدية المحرة ، عاشق للكتابة ورائحة الكتب ، اعمل اداري للصحة العمومية ،  انسان مهووس بتفاصيل التفاصيل ، عاشق للكتابة وما يحيط بها من حالات متناغمة من الوحدة، الجمال، والتناسق مع الطبيعة ، كان اول مؤلف لي بعنوان الخامسة صباحًا الذي شاركت به في المعرض الدولي للكتاب سيلا 23  وثاني عمل كان رواية بعنوان بروخيريا التي ش...