"حين خجل الشوق من نفسه..."
بقلمي الكاتبة والروائية جعدوني حكيمة نينارايسكيلا
سأسمح لكم بالدخول إلى مملكة القول المستتر خلف خجل الوجدان.
في غيابِ العتاب، تُولد القصيدة...
وفي غيابِ القصيدة، يُحتَضَرُ الكلام.
ليلةٌ لم تشهد خصامًا، وإنما نزال نبيل بين مدرستين شعريتين مختلفتين، تحاور فيه الشجن مع الهيبة،
عتمةٍ ناعمةٍ تتهجّى أسماءنا بين أنفاسها، فقرّرنا أن نكتب... لنحسم، ونُجهِض المسافة بين السؤال والرد.
ما هذا الذي يُضمره الشوق حين يصمت؟
وما تلك الضحكة التي تُخفِي عتابًا لم يُخلَق بعد؟
••••
سيدي هيران...
حين كتبتُ لك، كنتُ أعدّ أصابعي لأهبك إياها واحدةً واحدة،
فأكتب بخنصري، وأختم بعقلي!
وحين قرأتَ لي، لم تكتفِ بالقراءة،
بل جمعتَ حروفي بين أضلاعك،
وآمنتَ بها كما يُؤمن عاشقٌ بلُغةٍ لا يُجيدها.
هذه المناظرة، اختبارٌ للماء،
من يُغرِقُ أكثر؟
ومن يُطفئُ نارَ الآخر... بالماء ذاته؟
فثمّة لحظات، لا تُروى بالحكايات ولا تُقال بالوضوح،
تنزلق من بين الأصابع كالماء،
لكنّها تترك البلل في القلب، كأنّها أقامت فيه صلاةً طويلة.
في مَهبّ هذا الليل، انتبه الكلام إلينا،
واستدار الحرف من سهوه، ليصغي.
ثم اقتربنا من بعضنا كما تقترب قصيدتان من نَفَسٍ واحد،
كأنّ الغياب تأخّر كي يمنح الحضورَ كامل هيبته.
لم نُقرّر أن نُجادل، وإنما استأذنا من اللغة للدخول في محرابها،
يكفي أن ينبض الشغف بيننا ليبدأ هذا النزال من الجَمال،
بين كفٍّ تحمل الشوق، وشفاهٍ تهمس بالامتنان.
فكلّ بيتٍ في هذه المناظرة يحمل ذروةً من الانكسار الأنيق،
وكلّ جوابٍ هو مدحٌ متنكر في هيئة خصومة.
هنا، لا أحد ينتصر سوى الدهشة،
ولا أحد يُصفّق سوى القصيدة.
•••
سيدي هيران،
أحبّك،
لدى ضفّةِ نادى الياسمين،
حينَ المساءُ يجمعنا.
أحبّك،
بألمِ الولهانِ الثريّ،
حينَ أراك.
أحبّك،
بمراسمَ تأبينِ شاعرٍ،
استسلمَ لقافيته.
أحبّك،
بتسعِ قصائدَ
من أديمِ الرّقيمِ والسّحاب.
أحبّك،
بذرّيةِ التّوليب،
حينَ تنسلُّ من رحمِ قلمي.
أحبّك،
حينَ رميتَ منديلك البنفسجيّ
من يدك.
أحبّك،
حينَ ملّت أسرابُ الطير
أجاجَ قافيتي.
أحبّك،
وحينَ عبرَ شهدُ ثغرك،
صرتُ له زُلالاً.
أحبّك،
حين تجلسُ مُرغماً،
والغضبُ يتألَّهُ من فاك.
أحبّك،
وبعدَ أن تتنفّسَ
حدائقُ الجوري،
إذ رقصتَ أمامَ حقيقةِ مرآتِك.
أحبّك،
إذا لمحتُك تبتلُّ
بغيمةِ تشرين،
مستسلماً كالقصيدة.
أحبّك،
وذاكَ النبيذُ الأندلسيّ
الذي يروي أجنحةَ ميكائيلَ بالمطر.
أحبّك،
وتلك النورانيّةُ الصوفيّة
بين عينيك،
حين تُتلى بفمي.
أحبّك،
حين أُحتضر،
إذ تحملُ قلمك العُشبيَّ
بألوانٍ فيروزيّة.
أحبّك،
وحينَ نُنشئُ كوناً موازياً
بعينيك،
فنعمى عن غرفتِنا.
أحبّك،
والغدُ،
عندَ بابِ الحقيقة،
ليرحمنا...
و يلسعَنا بعقاربِ ساعاتِه.
أحبّك،
والأمسُ،
حينَ ألفينا رسومَنا ليست نحنُ،
و خواتمُنا... عزاها اللحنُ.
أحبّك،
وإلى أن يخلقَ الإلهُ حقيقتَنا،
فيسألني:
"لِمَ أنتِ؟"...
أحبّك،
وإلى أن أمُرَّ مهاجرةً سِرّياً
بينَ شفاهك الفاشيةِ،
الصامتة...
نحو الموت:
أقبرتُك.
•••••|
سيدتي أصفان،
هزّت قلبي وخيّمت في الزوايا..
حبيبة مستبدّةٌ في هوايا...
خضعتُ لأمرها فحبيبة قلبي..
لها حكمُ الأميرة على الرعايا...
تملّكتني وكبّلتني بقيدٍ..
إذا ما سرت يثقل في خُطايا...
رضيتُ بقيدها طوعاً..
وصارت قيود الحبّ في الدنيا مُنايا..
حبيبتي ما عرفتُ لها مثيلا...
فريدةٌ في الطباع وفي السجايا..
تبالغ في الدلال ولا تبالي...
بنيرانٍ تلظّت في حشايا..
وتغزوني الهموم إذا جَفَتني...
وتصطنعُ الهواجس في الحنايا..
وأسأل نفسي الحيرى مُلِحّاً...
تُرى ماذا اقترفت من الخَطايا..
تجبُ النفس اصبر لا يجدي...
سوى الصبرُ الجميل على البلايا..
فكم من صابرِِ بلغ الأماني...
و فاز بما يحبّ من العَطايا..
نصيبي في غرامك أن أعاني...
ولكن في معاناتي هَنايا..
تعودتُ الصعاب فلست أشكو...
من الأقدار في كل القضايا..
وإن كانت الحبيبة اليوم همّي...
فهذا الهمُّ حازَ على رضايا..
لها طبعٌ غريبٌ في غرامي...
مرضتُ به فلا يرجى شفايا..
لها فضلٌ عليَّ بما حبتني...
من العطف الذي يحوي دوايا..
هي المعطاءةُ لم تبخل علينا...
بما أعطاها ربي من مزايا..
سقتني من عواطفها كؤوساً...
لغيري لم تضع فيها شيء من بقايا..
ألا يا صاحبي فانقل سلامي...
إلى خلّيلتي وبلّغها الوصايا..
ودع شعري يعبّر عن شعوري...
ويشرح ما أُلاقي من شوقيا..
عساها ترقُّ أو تبدي وِصالاً...
وتطلعني على بعض الخفايا..
فأعذِرها وأنسى كل شىءٍ...
وتمحو بابتسامتها أسايا..
لكم يا خليلتي قد صِغتُ القوافي...
فما لغيركم منذ سنة يحلو عذابيا..
همستُ لكم بما أخفى فؤادي...
وكم حاولتُ كتمان الخبايا..
فمعذرةً إذا ما فاض كَيلي...
فهذا الشعر بعضٌ من بُكايا..
وما دمتي المقدّرة في حياتي...
فإني قد رضيتُ على قضائيا..
سأبقى في محبّتكي وفيّاً...
ولو من أجلكم ذقتُ المنايا..
حبيبتي إنني أهديتُك قلبي...
فاخذيهِ إنه خيرُ الهدايـــــــــا..
دعوتُ الله أن يبقى حبّنا بخير...
فيا رب استجب وأقبل دُعايا...
•••
انتهت القصيدة،
لكنّ صمتًا خفيفًا ظلّ واقفًا بيننا،
يطلب بيتًا أخيرًا... لم يُكتَب.
كأنّ الكلمات بعد هذا النزال النديّ
اختارت أن تخلع سيوفها،
وتجلس معنا على عتبة الشغف،
تستمع إلى صوت الحروف وهي تلتقط أنفاسها.
لكنّنا الليلة،
كسرنا الخجل بالحبر،
ورممنا المسافة ببيتٍ نبيل،
فصار لنا قلبٌ مشترك...
ينبض على ورقة.
فإن عاد الغيابُ يومًا،
فليقرأ هذه المناظرة،
"ليتعلّم من الشوق... كيف يخجل من نفسه".
تعليقات
إرسال تعليق