التخطي إلى المحتوى الرئيسي

عندما خيط فمي بقلم دعاء الرحمن

عندما خيط فمي

> "في هذا العالم، هناك جراح لا ترى بالعين، لكنها تنخر في الروح كما ينخر السوس في الخشب اليابس.
هناك صرخات تصطك داخل القفص الصدري، تئن دون أن تجد طريقها إلى الخارج.
ولأنني أدركت مبكرًا أن لا أحد يصغي حقًا، وأن الكلمات حين تخرج تُهان أو تُفسر خطأً أو تُستهان بها، اخترت أن أخيط فمي بخيوط من صبرٍ متآكل، وصمتٍ لاذع.
اخترت أن أخبئ ألمي تحت جلدي، أن ألوّن وجهي بأقنعة ساكنة، وأترك العاصفة تصرخ وحدها في الداخل.
ربما كان ذلك جبنًا... وربما حكمة.
لكنني عرفت حينها أن بعض الحكايات، إن قيلت، تقتلنا مرتين: مرة حين عشناها، ومرة حين لم يفهمها أحد."


كانوا يتحدثون كثيرًا...
عن الصبر، عن القوة، عن كتمان الغضب، عن اجترار الألم بصمت.
وكنت أنا أبتلع الكلام كما تبتلع الصخور موج البحر... بهدوء ثقيل لا ينكسر.

مرت السنين، كل سنة كانت تخيط غرزة جديدة في فمي...
غرزة من خيبة، غرزة من خذلان، غرزة من خيانة لطالما ظننت أنني محصن منها.
في البداية، كنت أصرخ في داخلي، كانت الكلمات تعوي كذئاب جائعة خلف أسوار شفتي المغلقتين.
لكن مع الوقت، هدأ الذئب... وانطفأت النار.

أدركت أن بعض الكلمات لا تُنطق، لا لأنها لا تُقال، بل لأن لا أحد يكترث لسماعها.
كل حكاية كنت أحملها بين ضلوعي، كانت تتحول إلى حجر آخر في مقبرة أسراري.

ذات ليلة باردة، وأنا أرمق انعكاسي في زجاج نافذتي المتصدعة، سألت نفسي:
ـــ "متى خيط فمي أول مرة؟"

لم أجد إجابة واحدة.
ربما يوم قيل لي إن الألم ضعف.
وربما يوم سمعت أن الشكوى نقيصة.
أو ربما كان حين مددت يدي طلبًا للنجدة، ولم تجد يدي سوى فراغ بارد يصفعها.

ومنذ ذلك الحين، تعلمت أن الصمت درعي.
أدور في العالم بشفاه مضمومة، بقلب مثقوب، وروح تجر أذيالها خلفي كظل طويل ثقيل.

لا أتحدث... ليس لأنني لا أعرف، بل لأنني صرت أعرف أكثر من اللازم.
تعلمت أن بعض الأوجاع، حين تُحكى، لا تُخفف، بل تزداد اتساعًا.
تعلمت أن الناس لا يسمعون الألم، بل يحاكمونه.

لهذا، حين تلمع عيناي فجأة وسط حديث عابر... حين أبتسم بدل أن أصرخ...
اعلم أنني هناك، في مكان عميق داخلي، أجلس وحيدًا، أنظر إلى فمي المخيط وأسأل:
ـــ "أيُّ خطيئة ارتكبتُ كي أستحق أن أبتلع عمري صمتًا؟"

لكن لا تأتي إجابة.
ولا أبحث عنها بعد الآن.

فالصمت أصبح وطنًا... و"عندما خيط فمي"، لم أخسر فقط صوتي، بل خسرت الحاجة إلى أن يسمعني أحد.

---

> "والآن، بعد كل هذا العمر، لم أعد أسأل لماذا خيط فمي، ولا من فعلها، ولا متى بدأ هذا النزيف الصامت.
لم أعد أبحث عن تفسير للخذلان، ولا مبررًا لكل الأبواب التي أُغلقت في وجهي وأنا أطرقها بنبض صادق.
أدركت أنني لست وحدي من سار في هذا الطريق، بل نحن كُثر...
أولئك الذين يبتسمون كي لا ينهاروا، ويصمتون لأن الحقيقة أثقل من أن تُحمل بكلمات.

تعلمت أن الناس لا يريدون سماع الألم، بل يحبون قصصًا منمقة، نهايات مريحة، جروحًا سطحية يسهل نسيانها.
أما الألم الحقيقي، المؤلم حقًا، فهو غير قابل للحكاية.
إنه يعيش فينا كظل لا يفارق، كلما اقترب الضوء ازداد وضوحًا.

ولهذا، أنا لا أبحث عن شفاء... بل عن نوع هادئ من التعايش.
عن سلام لا يحتاج إلى شرح، عن صمتٍ لم يعد قيدًا بل اختيارًا.

لأنني حين خيطت فمي... لم أخسر القدرة على الكلام، بل كسبت قدرة أعمق: أن أفهم دون أن أشرح، وأن أحتمل دون أن أشتكي، وأن أعيش... رغم كل شيء."

بقلم:دعاء الرحمن

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

( الشيروبيم) بقلم الكاتبة مروة صالح السورية

( الشيروبيم) مقدمة: في مكانٍ ما على سطح وجهها النقي ارتفعت الأمواج وأغرقت جُزراً بنية تحدّها شطآن وردية هذه الجزر التي لا نبحر إليها بل تبحر بنا إلى عالم لا يعرف الحروب ولا الجراح يقال إن الملائكة لا تُرى لكن هنا... ترسل السماء نوراً يجعل الزمن يحني رأسه إجلالاً لهذه اللحظة الخالدة التي سنشاهد فيها الشيروبيم يتجلى على هيئة ابتسامة تطوي المسافة بين الغرق والنجاة وتحيي الأمل في قلب كل من يؤمن بالأساطير وبأن حياةً جديدة قد تولد بعد الغرق النص: حين تبتسم تعلو أمواج خديها فتُغرق جُزر عينيها البنيتين وتُحلّق الفلامينغو من شطآن جفنيها الورديتين تلك الجزر وشطآنها التي تنقذني كلما واجهت تيارات بحر الحياة فأمكث بها لاكتشاف أساطير حبٍ جديدة حين تبتسم وفي منتصف شفتها العلوية يبسط طائر النورس جناحيه فتتوازن خطواتي وتتلاشى انكساراتي حين تضحك تدندن ضحكاتها على أوتار عمري فتصدر سمفونية سلام تنهي حروبًا وتشفي جراحًا لا علاقة لها بها حين تضحك تنكشف ثماني لآلئ بيضاء تنثر النور في ظلمات أيامي ويولد الفجر من جديد إنها ليست مجرد حركة شفاه... إنها لحظة خلود تتوقف عندها كل الأزمنة ومن رحم هذا السكون تُولد أع...

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا.بقلم الكاتبة: لانا خربوش

نرحل، ويبقى ما نسجته أيدينا. لا أعلم من أنت، ولا كيف وجدت هذه الرسالة، ولا حتى إن كنت تقرأها في لحظة صمت أم وسط ضجيج العالم، لكن إن كانت هذه الكلمات قد وصلت إليك، فهذا يعني أن شيئًا ما أراد لها أن تبقى، أن تُسمَع، أن تعبر الحدود التي لم أكن أراها يومًا. أكتب إليك من زمن لم يعد يشبه نفسه، من مدينة كانت يومًا تنبض بالحياة، لكنها لا تعكس سوى أصداء الماضي. الطرقات هنا تعرف أسماء الغائبين، تحفظ خطواتهم حتى بعد أن غابت أجسادهم، وكأن الزمن يرفض أن يطوي ذكراهم. كنت أحدهم، أمضي دون أن أترك أثرًا يُذكر، أو ربما كنت أعتقد ذلك، حتى أدركت أن ما نتركه خلفنا ليس مجرد أشياء، بل لحظات، كلمات، ومشاعر تختبئ في الزوايا لمن يلتقطها ذات يوم. نحن دائمًا نبحث عن إجابات، نحاول أن نفهم ما لا يُفهم. لكن الحقيقة أن بعض الأسئلة خُلقت لتظل مفتوحة؛ لترافقنا لا لتعطينا يقينًا. كنا نحلم بالخلود، لكننا نسينا أن الخلود ليس أن نبقى، بل أن تظل أجزاء منا تسكن الأزمنة القادمة، في كتاب يُقرأ، في قصة تُروى، في رسالة تصل ولو بعد غياب طويل. هناك أشياء لم تُكتب بعد، وهناك حكايات لم تُروَ. الكاتبة: لانا خربوش

حوار صحفي مع الكاتب محمد بالحياني مع مجلة إيلزا الأدبية للإناث

حوار مع الكاتب والأستاذ محمد بالحياني المقدمة: هناك كُتّاب لا يكتبون لمجرد الكتابة، بل يحاولون أن يتركوا أثرًا، أن يحركوا شيئًا في القارئ، أن يجعلوا الكلمات مرآة تعكس واقعًا أو خيالًا يحمل بصماتهم الخاصة. محمد بالحياني، أحد هؤلاء الذين اختاروا أن يكون الحرف سلاحهم، والرؤية عماد نصوصهم. في هذا الحوار، نقترب من تجربته، نغوص في أفكاره، ونكشف أسرار رحلته الأدبية. المعلومات الشخصية: الاسم: محمد بالحياني السن:27سنة البلد:الجزائر- البيض الموهبة:كاتب الحوار: س/ مرحبا بك محمد تشرفنا باستضافتك معنا اليوم بداية كيف تعرف نفسك لجمهورك ومن يتابعك دون ذكر اسمك؟  ج/في الغالب أكون متحدث سيئ عن نفسي، لكن يمكنني أن أختصر بالفعل وأقول محمد عبد الكريم بلحياني ، من ولاية البيض بالضبط بلدية المحرة ، عاشق للكتابة ورائحة الكتب ، اعمل اداري للصحة العمومية ،  انسان مهووس بتفاصيل التفاصيل ، عاشق للكتابة وما يحيط بها من حالات متناغمة من الوحدة، الجمال، والتناسق مع الطبيعة ، كان اول مؤلف لي بعنوان الخامسة صباحًا الذي شاركت به في المعرض الدولي للكتاب سيلا 23  وثاني عمل كان رواية بعنوان بروخيريا التي ش...