عندما خيط فمي
> "في هذا العالم، هناك جراح لا ترى بالعين، لكنها تنخر في الروح كما ينخر السوس في الخشب اليابس.
هناك صرخات تصطك داخل القفص الصدري، تئن دون أن تجد طريقها إلى الخارج.
ولأنني أدركت مبكرًا أن لا أحد يصغي حقًا، وأن الكلمات حين تخرج تُهان أو تُفسر خطأً أو تُستهان بها، اخترت أن أخيط فمي بخيوط من صبرٍ متآكل، وصمتٍ لاذع.
اخترت أن أخبئ ألمي تحت جلدي، أن ألوّن وجهي بأقنعة ساكنة، وأترك العاصفة تصرخ وحدها في الداخل.
ربما كان ذلك جبنًا... وربما حكمة.
لكنني عرفت حينها أن بعض الحكايات، إن قيلت، تقتلنا مرتين: مرة حين عشناها، ومرة حين لم يفهمها أحد."
كانوا يتحدثون كثيرًا...
عن الصبر، عن القوة، عن كتمان الغضب، عن اجترار الألم بصمت.
وكنت أنا أبتلع الكلام كما تبتلع الصخور موج البحر... بهدوء ثقيل لا ينكسر.
مرت السنين، كل سنة كانت تخيط غرزة جديدة في فمي...
غرزة من خيبة، غرزة من خذلان، غرزة من خيانة لطالما ظننت أنني محصن منها.
في البداية، كنت أصرخ في داخلي، كانت الكلمات تعوي كذئاب جائعة خلف أسوار شفتي المغلقتين.
لكن مع الوقت، هدأ الذئب... وانطفأت النار.
أدركت أن بعض الكلمات لا تُنطق، لا لأنها لا تُقال، بل لأن لا أحد يكترث لسماعها.
كل حكاية كنت أحملها بين ضلوعي، كانت تتحول إلى حجر آخر في مقبرة أسراري.
ذات ليلة باردة، وأنا أرمق انعكاسي في زجاج نافذتي المتصدعة، سألت نفسي:
ـــ "متى خيط فمي أول مرة؟"
لم أجد إجابة واحدة.
ربما يوم قيل لي إن الألم ضعف.
وربما يوم سمعت أن الشكوى نقيصة.
أو ربما كان حين مددت يدي طلبًا للنجدة، ولم تجد يدي سوى فراغ بارد يصفعها.
ومنذ ذلك الحين، تعلمت أن الصمت درعي.
أدور في العالم بشفاه مضمومة، بقلب مثقوب، وروح تجر أذيالها خلفي كظل طويل ثقيل.
لا أتحدث... ليس لأنني لا أعرف، بل لأنني صرت أعرف أكثر من اللازم.
تعلمت أن بعض الأوجاع، حين تُحكى، لا تُخفف، بل تزداد اتساعًا.
تعلمت أن الناس لا يسمعون الألم، بل يحاكمونه.
لهذا، حين تلمع عيناي فجأة وسط حديث عابر... حين أبتسم بدل أن أصرخ...
اعلم أنني هناك، في مكان عميق داخلي، أجلس وحيدًا، أنظر إلى فمي المخيط وأسأل:
ـــ "أيُّ خطيئة ارتكبتُ كي أستحق أن أبتلع عمري صمتًا؟"
لكن لا تأتي إجابة.
ولا أبحث عنها بعد الآن.
فالصمت أصبح وطنًا... و"عندما خيط فمي"، لم أخسر فقط صوتي، بل خسرت الحاجة إلى أن يسمعني أحد.
---
> "والآن، بعد كل هذا العمر، لم أعد أسأل لماذا خيط فمي، ولا من فعلها، ولا متى بدأ هذا النزيف الصامت.
لم أعد أبحث عن تفسير للخذلان، ولا مبررًا لكل الأبواب التي أُغلقت في وجهي وأنا أطرقها بنبض صادق.
أدركت أنني لست وحدي من سار في هذا الطريق، بل نحن كُثر...
أولئك الذين يبتسمون كي لا ينهاروا، ويصمتون لأن الحقيقة أثقل من أن تُحمل بكلمات.
تعلمت أن الناس لا يريدون سماع الألم، بل يحبون قصصًا منمقة، نهايات مريحة، جروحًا سطحية يسهل نسيانها.
أما الألم الحقيقي، المؤلم حقًا، فهو غير قابل للحكاية.
إنه يعيش فينا كظل لا يفارق، كلما اقترب الضوء ازداد وضوحًا.
ولهذا، أنا لا أبحث عن شفاء... بل عن نوع هادئ من التعايش.
عن سلام لا يحتاج إلى شرح، عن صمتٍ لم يعد قيدًا بل اختيارًا.
لأنني حين خيطت فمي... لم أخسر القدرة على الكلام، بل كسبت قدرة أعمق: أن أفهم دون أن أشرح، وأن أحتمل دون أن أشتكي، وأن أعيش... رغم كل شيء."
بقلم:دعاء الرحمن
تعليقات
إرسال تعليق