ذبيحة قلب
تقدّمتُ إلى مذبَحِ الذكرى، أجرُّ قلبي كذبيحةٍ لا حول لها ولا قوّة. كان ينزف بصمت، لكنّ الجراح التي في داخله كانت تصرخ، تئنّ كأنها ألفُ وترٍ انقطع في عزفٍ حزين.
كنتُ أؤمنُ بالحبِّ كما يؤمنُ العطشانُ بالسراب… أتبعه، أركض خلفه، ولا أصل. ظننتُه نهرًا من الطمأنينة، فإذا به نارٌ تلتهمُ ما تبقّى من ملامحي. هوى قلبي في حضنِ من حسبتُه وطنًا، فإذا به منفى لا يعرف الرحمة.
قالوا: الحبّ جنة.
فلماذا زرعته فأنبت شوكًا؟ لماذا سقَيتُه من روحي فجفّ؟ لقد أهدَيتُ قلبي لمن لا يُجيد العطاء، فخنقَه بيدٍ من حرير، وابتسامةٍ من سُمّ.
خذلني…
خذلني حين كنتُ الضوءَ في عتمته، والصوتَ في صمته، والكتفَ إذا مال. منحته كلَّ ما فيّ، حتى إنني نسيتُني، فلمّا استقام على ظهري، رحل.
وفي الرحيلِ، كانت الخناجرُ تلوّحُ لي، كأنها تقول: “هذا جزاءُ من يثقُ كثيرًا.”
وفي قلبي ألفُ حكايةٍ لا تُروى، ألفُ صرخةٍ محبوسة، كلُّ نبضٍ فيه صار مِدادًا على جدارِ الألم.
كنت أمشي، لا امرأة تمشي، بل بقايا أنثى.
كُنتُ شبحًا لظلٍّ قديم أحبّ… فذُبح.
صار وجهي قناعًا لا يشبهني، وصوتي رجع أنينٍ يخجل أن يسمعه أحد، وقلبي؟
ذبيحة… نُحر على يد من ظننته ملاكًا.
كان قلبي طاهرًا كقطنةٍ في مهد طفل، عطوفًا كيدِ أمّ، نابضًا كأوّل نظرة، لا يعرف المكر، لا يُتقن الحذر. أحببته كما تُحبّ الأرضُ المطر، كما تهفو السنابلُ لدفء الشمس. كنتُ له أنثى تُجيد الإنصات، تُتقن الحضور، تُداوي بصمتٍ، وتُحبّ بلا قيدٍ ولا تكلّف. كنتُ له سكنًا، وكان لي عاصفة.
خذلني حين زرعتُه في أوردتي شجرة أمل، سقيتُ جذورها من نبضي، فبادلها بالكذب، وسلّط عليها شمسَ غيابه حتى جفّت.
كلّ كلمة حبّ قالها لي، كانت سيفًا مكسوًّا بالعسل… ما إن ذاب الطعم حتى انكشفت المرارة.
هل تعرفين الخذلان؟
إنه أن تحتضني من كان بردًا، فيرحل حين تدفئينه.
أن تمسحي عن جبينه تعبَ الحياة، فيغادر ليبحث عن أخرى تمسح عرقه ساعة نشوته.
أن يُقسم لكِ ألف مرّة أنكِ الأمان… ثم يُلقي بكِ كأنكِ وهمٌ مرّ من حلمه واستيقظ.
كُسرتُ… لا أنكِسر كالغصن، بل كمرآةٍ رأت الحقيقة كاملة، ولم تحتملها.
باتت نبضاتي صدى لأسئلةٍ لا إجابة لها:
لماذا تُؤذينا الأيدي التي أمسكناها بثقة؟
لماذا نُمنح الحُبّ لنُسحب من تحته كأننا لا نستحقّ سوى السقوط؟
هل في الحب لعنةٌ لا تُصيبُ إلا المخلصات؟
صرتُ أمشي وأنا أحملني كجنازة، وصوتُ ضحكتي – إن وُجدت – لا يشبهني.
صرتُ أرتدي وجهي كقناع، وأمشي وقلبي مقبرة.
لكنّي لن أبقى ذبيحة.
لن أدفن روحي تحت ركامِ خذلانٍ سخيف.
سأقوم من رمادي، كطائرٍ تعلّم الطيران من سقوطي.
أنا أنثى قد تُكسر مرّة، لكنها لا تُكسر دائمًا.
أنثى تعلّمت أن تُحبّ نفسها كما كانت تُحبّه… بل أكثر.
سأُرمّم ما تهدّم، وأخيطُ جراحي بخيوطٍ من كبرياء.
وسينهض قلبي من مذبحه، لا ضعيفًا، بل أشدّ صلابة.
ستنبت من جراحه أجنحة، لا لتُحلّق خلف حبّ، بل لتحلّق بعيدًا عن كل خذلان.
ذبيحة قلبي لم تذهب سُدى…
بل كانت درسًا في الفقد والنهوض، في الجنون والوعي،
في أن أكون عاشقةً… ثم أكون امرأةً لا يُهزم قلبُها مرّتين.
وربّما سأحبّ من جديد…
لكن هذه المرّة، لن أركض خلف السراب، بل سأصنع لنفسي واحة.
وربّما سأغفر، لكن لن أنسى.
وربّما سأُعطي، لكن دون أن أُنسى.
فالقلب نفسه… لكني أنا، لستُ كما كنت.
ولعلّ هذا الانكسار، ما كان إلا سبيلًا لقيامتي الكبرى.
وأما أنت…
فشكرًا، لأنك خذلتني.
لأنك علّمتني ألّا أُشعل روحي في طريق من لا يرى نوري، ولا أُعطي قلبي لمن لا يعرف قيمته.
كنتَ ضعفًا، وتجاوزتُك.
كنتَ ظلاً… وها أنا شمس لا تغيب.
وإن سألتَ يومًا: “ماذا فعلتُ بها؟”
فاسأل نفسك أولًا: “كيف ضيّعتَ امرأةً كهذه؟”
لأن الحبّ لا يقتل…
لكن الخيانة تفعل.
أسماء أقيس فرنسا
تعليقات
إرسال تعليق