التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ذبيحة قلب بقلم الكاتبة الجزائرية أسماء أڨيس

ذبيحة قلب
تقدّمتُ إلى مذبَحِ الذكرى، أجرُّ قلبي كذبيحةٍ لا حول لها ولا قوّة. كان ينزف بصمت، لكنّ الجراح التي في داخله كانت تصرخ، تئنّ كأنها ألفُ وترٍ انقطع في عزفٍ حزين.
كنتُ أؤمنُ بالحبِّ كما يؤمنُ العطشانُ بالسراب… أتبعه، أركض خلفه، ولا أصل. ظننتُه نهرًا من الطمأنينة، فإذا به نارٌ تلتهمُ ما تبقّى من ملامحي. هوى قلبي في حضنِ من حسبتُه وطنًا، فإذا به منفى لا يعرف الرحمة.
قالوا: الحبّ جنة.
فلماذا زرعته فأنبت شوكًا؟ لماذا سقَيتُه من روحي فجفّ؟ لقد أهدَيتُ قلبي لمن لا يُجيد العطاء، فخنقَه بيدٍ من حرير، وابتسامةٍ من سُمّ.
خذلني…
خذلني حين كنتُ الضوءَ في عتمته، والصوتَ في صمته، والكتفَ إذا مال. منحته كلَّ ما فيّ، حتى إنني نسيتُني، فلمّا استقام على ظهري، رحل.
وفي الرحيلِ، كانت الخناجرُ تلوّحُ لي، كأنها تقول: “هذا جزاءُ من يثقُ كثيرًا.”
وفي قلبي ألفُ حكايةٍ لا تُروى، ألفُ صرخةٍ محبوسة، كلُّ نبضٍ فيه صار مِدادًا على جدارِ الألم.
كنت أمشي، لا امرأة تمشي، بل بقايا أنثى.
كُنتُ شبحًا لظلٍّ قديم أحبّ… فذُبح.
صار وجهي قناعًا لا يشبهني، وصوتي رجع أنينٍ يخجل أن يسمعه أحد، وقلبي؟
ذبيحة… نُحر على يد من ظننته ملاكًا.
كان قلبي طاهرًا كقطنةٍ في مهد طفل، عطوفًا كيدِ أمّ، نابضًا كأوّل نظرة، لا يعرف المكر، لا يُتقن الحذر. أحببته كما تُحبّ الأرضُ المطر، كما تهفو السنابلُ لدفء الشمس. كنتُ له أنثى تُجيد الإنصات، تُتقن الحضور، تُداوي بصمتٍ، وتُحبّ بلا قيدٍ ولا تكلّف. كنتُ له سكنًا، وكان لي عاصفة.
خذلني حين زرعتُه في أوردتي شجرة أمل، سقيتُ جذورها من نبضي، فبادلها بالكذب، وسلّط عليها شمسَ غيابه حتى جفّت.
كلّ كلمة حبّ قالها لي، كانت سيفًا مكسوًّا بالعسل… ما إن ذاب الطعم حتى انكشفت المرارة.
هل تعرفين الخذلان؟
إنه أن تحتضني من كان بردًا، فيرحل حين تدفئينه.
أن تمسحي عن جبينه تعبَ الحياة، فيغادر ليبحث عن أخرى تمسح عرقه ساعة نشوته.
أن يُقسم لكِ ألف مرّة أنكِ الأمان… ثم يُلقي بكِ كأنكِ وهمٌ مرّ من حلمه واستيقظ.
كُسرتُ… لا أنكِسر كالغصن، بل كمرآةٍ رأت الحقيقة كاملة، ولم تحتملها.
باتت نبضاتي صدى لأسئلةٍ لا إجابة لها:
لماذا تُؤذينا الأيدي التي أمسكناها بثقة؟
لماذا نُمنح الحُبّ لنُسحب من تحته كأننا لا نستحقّ سوى السقوط؟
هل في الحب لعنةٌ لا تُصيبُ إلا المخلصات؟
صرتُ أمشي وأنا أحملني كجنازة، وصوتُ ضحكتي – إن وُجدت – لا يشبهني.
صرتُ أرتدي وجهي كقناع، وأمشي وقلبي مقبرة.
لكنّي لن أبقى ذبيحة.
لن أدفن روحي تحت ركامِ خذلانٍ سخيف.
سأقوم من رمادي، كطائرٍ تعلّم الطيران من سقوطي.
أنا أنثى قد تُكسر مرّة، لكنها لا تُكسر دائمًا.
أنثى تعلّمت أن تُحبّ نفسها كما كانت تُحبّه… بل أكثر.
سأُرمّم ما تهدّم، وأخيطُ جراحي بخيوطٍ من كبرياء.
وسينهض قلبي من مذبحه، لا ضعيفًا، بل أشدّ صلابة.
ستنبت من جراحه أجنحة، لا لتُحلّق خلف حبّ، بل لتحلّق بعيدًا عن كل خذلان.
ذبيحة قلبي لم تذهب سُدى…
بل كانت درسًا في الفقد والنهوض، في الجنون والوعي،
في أن أكون عاشقةً… ثم أكون امرأةً لا يُهزم قلبُها مرّتين.
وربّما سأحبّ من جديد…
لكن هذه المرّة، لن أركض خلف السراب، بل سأصنع لنفسي واحة.
وربّما سأغفر، لكن لن أنسى.
وربّما سأُعطي، لكن دون أن أُنسى.
فالقلب نفسه… لكني أنا، لستُ كما كنت.
ولعلّ هذا الانكسار، ما كان إلا سبيلًا لقيامتي الكبرى.
وأما أنت…
فشكرًا، لأنك خذلتني.
لأنك علّمتني ألّا أُشعل روحي في طريق من لا يرى نوري، ولا أُعطي قلبي لمن لا يعرف قيمته.
كنتَ ضعفًا، وتجاوزتُك.
كنتَ ظلاً… وها أنا شمس لا تغيب.
وإن سألتَ يومًا: “ماذا فعلتُ بها؟”
فاسأل نفسك أولًا: “كيف ضيّعتَ امرأةً كهذه؟”
لأن الحبّ لا يقتل…
لكن الخيانة تفعل.

أسماء أقيس فرنسا


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

حوار صحفي مع الكاتب محمد بالحياني مع مجلة إيلزا الأدبية للإناث

حوار مع الكاتب والأستاذ محمد بالحياني المقدمة: هناك كُتّاب لا يكتبون لمجرد الكتابة، بل يحاولون أن يتركوا أثرًا، أن يحركوا شيئًا في القارئ، أن يجعلوا الكلمات مرآة تعكس واقعًا أو خيالًا يحمل بصماتهم الخاصة. محمد بالحياني، أحد هؤلاء الذين اختاروا أن يكون الحرف سلاحهم، والرؤية عماد نصوصهم. في هذا الحوار، نقترب من تجربته، نغوص في أفكاره، ونكشف أسرار رحلته الأدبية. المعلومات الشخصية: الاسم: محمد بالحياني السن:27سنة البلد:الجزائر- البيض الموهبة:كاتب الحوار: س/ مرحبا بك محمد تشرفنا باستضافتك معنا اليوم بداية كيف تعرف نفسك لجمهورك ومن يتابعك دون ذكر اسمك؟  ج/في الغالب أكون متحدث سيئ عن نفسي، لكن يمكنني أن أختصر بالفعل وأقول محمد عبد الكريم بلحياني ، من ولاية البيض بالضبط بلدية المحرة ، عاشق للكتابة ورائحة الكتب ، اعمل اداري للصحة العمومية ،  انسان مهووس بتفاصيل التفاصيل ، عاشق للكتابة وما يحيط بها من حالات متناغمة من الوحدة، الجمال، والتناسق مع الطبيعة ، كان اول مؤلف لي بعنوان الخامسة صباحًا الذي شاركت به في المعرض الدولي للكتاب سيلا 23  وثاني عمل كان رواية بعنوان بروخيريا التي ش...

( الشيروبيم) بقلم الكاتبة مروة صالح السورية

( الشيروبيم) مقدمة: في مكانٍ ما على سطح وجهها النقي ارتفعت الأمواج وأغرقت جُزراً بنية تحدّها شطآن وردية هذه الجزر التي لا نبحر إليها بل تبحر بنا إلى عالم لا يعرف الحروب ولا الجراح يقال إن الملائكة لا تُرى لكن هنا... ترسل السماء نوراً يجعل الزمن يحني رأسه إجلالاً لهذه اللحظة الخالدة التي سنشاهد فيها الشيروبيم يتجلى على هيئة ابتسامة تطوي المسافة بين الغرق والنجاة وتحيي الأمل في قلب كل من يؤمن بالأساطير وبأن حياةً جديدة قد تولد بعد الغرق النص: حين تبتسم تعلو أمواج خديها فتُغرق جُزر عينيها البنيتين وتُحلّق الفلامينغو من شطآن جفنيها الورديتين تلك الجزر وشطآنها التي تنقذني كلما واجهت تيارات بحر الحياة فأمكث بها لاكتشاف أساطير حبٍ جديدة حين تبتسم وفي منتصف شفتها العلوية يبسط طائر النورس جناحيه فتتوازن خطواتي وتتلاشى انكساراتي حين تضحك تدندن ضحكاتها على أوتار عمري فتصدر سمفونية سلام تنهي حروبًا وتشفي جراحًا لا علاقة لها بها حين تضحك تنكشف ثماني لآلئ بيضاء تنثر النور في ظلمات أيامي ويولد الفجر من جديد إنها ليست مجرد حركة شفاه... إنها لحظة خلود تتوقف عندها كل الأزمنة ومن رحم هذا السكون تُولد أع...

حوار مع الكاتبة الصاعدة صارة قعلول: "بين شغف الحرف وبزوغ الإبداع"

حوار مع الكاتبة الصاعدة صارة قعلول: بين شغف الحرف وبزوغ الإبداع المقدمة: لكل كاتب لحظة فارقة، تلك اللحظة التي يدرك فيها أن الكلمات ليست مجرد حبر على ورق، بل نبض يكتب به الحياة. وبعض الأصوات الأدبية، وإن لم تحطّ بها الأضواء بعد، تمتلك وهجًا خاصًا يجعلها تتوهج في سماء الإبداع. اليوم نفتح نافذة على عوالم كاتبة واعدة، جعلت من الكتابة طريقًا للبوح، وللحلم، وللتأثير. صارة قعلول، اسم يشق طريقه بثبات في دروب الأدب، مسكونة بشغف لا يهدأ، ورؤية تحاول أن تصنع بصمتها الخاصة. في هذا الحوار، نقف عند محطات رحلتها، نقترب من تفاصيلها، ونكتشف التحديات التي واجهتها والأحلام التي لم تكتب بعد. البطاقة الشخصية: الاسم: صارة قعلول العمر: 19 سنة البلد: الجزائر الموهبة: الكتابة الإبداعية الحوار: س/ صارة، نرحب بكِ في هذا اللقاء. لو طُلب منكِ أن تعرّفي نفسك لجمهورنا دون ذكر اسمك، فكيف سيكون تعريفك؟ ج/فتاة من ورق حُصِد زرعها قبل تسعة عشر ربيعا، دودة كتب شغوفة بالمطالعة، مولوعة باللغة ومدركة لقيمة الكلمة فاختارت الغوص في مجال الأدب والصحافة. س/ لكل كاتب لحظة شرارة أشعلت فيه حب الكتابة. متى كانت لحظتك الأولى؟ وهل شعر...