في عالم المسرح وأدب الطفل، حيث تتداخل الكلمة مع الخيال، ويتلاقى النص مع خشبة المسرح، يبرز اسم الدكتور عبدالله جدعان كأحد أبرز الأسماء التي تركت بصمة واضحة في المشهد الثقافي العراقي والعربي. أربعون عامًا من العطاء المتواصل، ما بين كتابة المسرحيات، القصص، المقالات، والإشراف على الأنشطة المسرحية، جعلت من مسيرته نموذجًا يحتذى في المثابرة والتجدد.
تنقل بين الفرق المسرحية، وأسهم في تأسيس حراك ثقافي فاعل في الموصل وخارجها، محققًا عشرات الجوائز، وناشرًا أكثر من خمسين قصة للأطفال، إلى جانب إسهاماته في مجال التدريب والإشراف الفني. أعماله لم تبقَ فقط على الورق، بل تحولت إلى عروض مسرحية لامست قلوب الصغار والكبار، ودرست أكاديميًا في رسائل جامعية، وحظيت بتكريمات محلية وعربية.
في هذا اللقاء الحصري مع جريدة إيلزا الإلكترونية، نحاور الدكتور عبدالله جدعان، لنغوص معه في تفاصيل تجربته الثرية، ونتعرف على رؤيته للمسرح، أدب الطفل، والتحديات التي تواجه الثقافة اليوم، وأحلامه التي ما تزال تمتد نحو الأفق.. كانت لي وقفة مع الأديب والفنان العراقي ( عبدالله جدعان ) للولوج في سيرته الفنية والأدبية عبار هذا الحوار:
س : بدايةً، نود أن نعود بك إلى البدايات… متى كانت اللحظة التي شعرت فيها أن المسرح والأدب سيكونان مسارك الحياتي؟
ج/ عندما كنت تلميذاً في الصف الخامس الابتدائي كنت متابعاً للأفلام السينمائية، هذا العالم الكبير سحبني بشدة واخذت احوم حوله من خلال شراء بوسترات وصور الفنانين ومسودات الأفلام المعطوبة ما تسمى ( نكتف) حيث اتخذت من غرفة الدجاج في بيتنا الريفي الذي يقع في بستان داخل مدينة الموصل وحالياً المكان هو الارض التي شيدت عليها دائرة زراعة نينوى قرب الاشارات الضوئية ، حيث صنعت جهاز عرض من خلال مكبرة اسلط عليها ضوء الشمس ومن ثم تعكس الصورة على ورقة بيضاء كبيرة كأنها شاشة العرض السينمائي وفي الوقت ذاته اضع جهاز المذياع على تردد إذاعة ناطقة باللغة الانكليزية، هذا من جانب والجانب الآخر بعد مشاهدتي لأي فيلم سينمائي اقوم مع أطفال الحي بتقليد المشاهد التي اختزنت في مخيلتي من صراع بالسيوف والخيول ومن ثم القفز والمطاردة، تلك هي النواة الأولى التي جعلتني أن أكون مغرماً بعالم السينما، ومن بعد قادني لأكون ممثلاً في المرحلة المتوسطة بعد أن مد لي يد العون عرابي الأول الأستاذ الفاضل ( حكمت أسماعيل) مدرس مادة الأحياء في متوسطة النعمانية ، فقد شجعني ودعمني بتوفير كل المستلزمات الخاصة بتقديم الفقرات التمثيلية في باحة المدرسة وأثناء هطول الأمطار داخل قاعة المدرسة في المناسبات الرسمية ، كما شكلت فرقة بإسمي وقدمت اسكيشتات قصيرة داخل باحة وقاعة المدرسة.
س: تنقلت بين عدة فرق مسرحية مرموقة منذ عام 1979، كيف أثرت هذه التجارب المتنوعة على رؤيتك الفنية وتشكيل أسلوبك الخاص؟
ج/ تنقلت من فرق مسرحية عديدة ، من فرقة المسرح الريفي ومروراً بفرق أخرى فرقة أتحاد الشباب والطلبة والرواد، شاركت في مسرحيات عديدة ما بين شعبي وباللغة العربية الفصحى ما بين كوميدي وتراجيدي، هذا التنوع كله جعلني اتعرف على اجناس الفن المسرحي من جانب والمشاركة مع ممثلين من جيل الرواد من جانب آخر، هذا كله صقل موهبتي.
س: من خلال إشرافك على وحدة المسرح في مديرية النشاط الرياضي والمدرسي بنينوى، كيف ترى أهمية المسرح المدرسي في صقل شخصية الطالب وتنمية خياله؟
ج/ من خلال الاهداف التي تحملها النصوص المسرحية بين المُتعة والنصيحة الغير مباشرة من على لسان شخوص المسرحيات سواء أكانت الشخصيات بشرية أم حيوانية، فكان لي حضور وافر ما بين ممثل ومؤلف ومخرج، كوني كنت مشرف فني أقدم ثم رئيس قسم الفنون المسرحية في قسم النشاط المدرسي في قسم المسرح ويتطلب مني البحث عن مواهب التلاميذ والطلاب لغرض اشراكهم في مسرحيات تتنافس مع باقي المحافظات بمهرجانات عدة ، منها المهرجان المسرحي الأبتدائي والثانوي والمحترفين وكذلك الأوبريت المدرسي، حصلت على عدة نتائج مهمة كوني ممثلاً أو مؤلفاً أو مخرجاً.
س: كتبت أكثر من خمسين قصة للأطفال والفتيان نُشرت في مجلات عربية عديدة… ما الذي يجذبك في عالم الطفل ويحفزك للاستمرار بالكتابة له؟
ج/ لأن الطفل هو المستقبل، والغرب المتقدم مهتم بالطفل لأنه بذرة الأساس في المجتمع، وفي عالمنا العربي يقتصر هذا الاهتمام على محدودية من قبل بعض المؤسسات الحكومية ، لذتي وفرحي أجده عند الطفل ، على الرغم من قلة الاهتمام بفن وأدب الطفل لذا تراني أكتب النصوص المسرحية والقصص للأطفال المُحملة بالرسائل الإيجابية من أجل تنشئة جيل جديد.
س: حصلت على العديد من الجوائز في الكتابة المسرحية وأدب الأطفال… برأيك، ما الذي يميز العمل المسرحي الناجح، خاصةً عندما يكون موجهاً للطفل؟
ج/ هو الصدق في طرح موضوع النص المسرحي الذي يقدم رؤية للواقع سواء للطفل أو للكبار مع مراعاة العمر للمتلقي وما الرسالة التي يطرحها النص المسرحي.
س: مسرحياتك أُخرجت وقُدمت على خشبات عدة… هل ثمة عرض مسرحي ترك أثراً خاصاً فيك ككاتب؟ ولماذا؟
ج/ نعم ، نص ( حلم المطر) الذي كتبته واخرجته وقدم في الامارات العربية المتحدة، النص يطرح تكميم الأفواه لأي صحفي أو ناشط مدني في ظل الحكم الديكتاتوري.
س: كأمين سر سابق لنقابة الفنانين بنينوى وعضو فاعل في العديد من الاتحادات الفنية والثقافية، كيف تقيّم اليوم واقع الفنان العراقي وما يحتاجه ليزدهر؟
ج/ واقع سيء مع الأسف في ظل السوشل ميديا الذي صار بإمكان أي شخص أن يقدم عمل فني من البيت، والأنكى من ذلك دخول طارئين على الدراما التلفازية لا علاقة لهم بالفن من قريب أو بعيد سوى أنهم معروفين على السوشل ميديا وجلس الفنان حبيس البيت ينظر لهؤلاء.
س: لقد دُرست بعض مسرحياتك أكاديمياً وحللت في رسائل ماجستير… كيف ترى هذا الاهتمام الأكاديمي بأعمالك؟ وهل كان ذلك ضمن توقعاتك؟
ج/ هذه ثمرة سيرتي الفنية والأدبية لفترة أكثر من أربعين عام.
س: برأيك، ما هو التحدي الأبرز الذي يواجه المسرح العراقي عموماً ومسرح الطفل على وجه الخصوص اليوم؟
ج/ صفحات وقنوات السوشل ميديا العديدة ودون أن تخضع لأي رقيب
س: شاركت كتبك في معارض دولية كالقاهرة وبغداد ومسقط… كيف تقيم حضور الكتاب العراقي في المحافل العربية والدولية؟
ج/ يتوقف هذا على تجارب فردية للكاتب وعلاقاته مع دور الدور.
س: كونك حاصلاً على الدكتوراه الفخرية من عدة مؤسسات، ما هو انعكاس هذا التكريم عليك شخصياً وعلى مسيرتك الأدبية؟
ج/ هو تكريم معنوي لسيرتي وتاريخي الفني والأدبي ليس إلا
س: بالنظر إلى تنوع كتاباتك بين المسرح، القصة، المقالة الصحفية، والكتابات النقدية، كيف تحقق التوازن بين هذه الأجناس الأدبية المختلفة؟
ج/ ليس للتباهي وإنما هذا لا يتحقق إلا عند الشخص الموهوب، حمداً لله امتلك كل تلك المواهب
س: في ظل التغيرات المتسارعة التي يشهدها العالم، ما الدور الذي يمكن أن يلعبه الأدب والمسرح في تربية النشء وبناء المجتمعات؟
ج/ إن دور المسرح ، هو مدرسة غير مباشرة لطرح رسائل تربوية عبر الاشارة بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى التوجيهات والنصائح المراد تقديمها للطفل , وتأتي عادة على لسان بطل القصة الذي يحظى بشعبية لدى الطفل سواء أكان هذا البطل شخصية إنسانية أو حيوانية للخروج من نفق الظلام إلى عالم الضوء والفرح والبهجة و عالم الحُب والسلام، ليستعيد الطفل المُتلقي للعرض المسرحي ثقته بنفسه بالمستقبل.
س: ما الذي يلهمك أكثر أثناء الكتابة: التجربة الشخصية، الواقع الاجتماعي، أم خيال الطفل الذي تحرص على مخاطبته؟
ج/ لابد لي من أنطلق من الواقع الاجتماعي مع الاشارة لتجارب سواء أكانت لي أو للآخرين، ويتطلب مني ككاتب أن أضفي لمسات الإثارة والتشويق.
س: لو أتيح لك إعادة تقديم واحدة من مسرحياتك بشكل مختلف أو برؤية جديدة، أي مسرحية ستختار ولماذا؟
ج/ مسرحية ابن الشمس، لأن بمرور الزمن ظهرت فجوات كبيرة في علاقة الإنسان مع محيطه العائلي والخارجي.
س: بعد هذا المشوار الحافل، ما المشروع الذي تحلم بتحقيقه ولم يتحقق بعد؟
ج/ تقديم عمل مسرحي عبر تقنية الهيكرام الحديثة التي تحتاج لتقنيات العرض المسرحي
س: كيف ترى مستقبل مسرح الطفل في العراق والعالم العربي؟ وما هو المطلوب للنهوض به؟
ج/ في العراق دون مستوى الطموح، ربما متقدم في بعض البلدان العربية، ولنهوض مسرح الطفل يتطلب من القائمين عليه( تأسيس فرقة وطنية لمسرح الطفل تابعة لوزارة الثقافة في كل مدينة، وإقامة مسابقات للنص المسرحي وتقديم جوائز مالية، وإقامة مهرجانات مسرحية تنافسية بين المدن المختلفة).
س: ما النصيحة التي تقدمها اليوم للجيل الجديد من المسرحيين وكتّاب أدب الطفل ممن يخطون خطواتهم الأولى؟
ج/ الإكثار من قراءة النصوص المسرحية والمشاركة بأي عمل مسرحي
س: كيف ساهم انتماؤك لنقابة الصحفيين واهتمامك بالكتابة الصحفية في تعزيز مهاراتك ككاتب مسرحي وأديب؟
ج/ تقديم النصوص المسرحية سواء أكنت مؤلف أم مخرج، وبالنسبة للصحافة اجراء لقاءات مع كثير من الشخصيات الفنية لإبراز ابداعهم
س: أخيرًا، ماذا تقول عن تأثير مدينة الموصل عليك كفنان وأديب؟ وكيف انعكست روح المدينة وتاريخها في أعمالك؟
ج/ ج/ نعم ، انعكس هذا التأثير من خلال كتابة النصوص المسرحية والقصص والروايات التي تسلط الضوء على شخوص وتاريخ هذه المدينة العريقة الزاخرة بالفن والثقافة كتبت نصوص عديدة عن انعكاسات داعش على الصغير والكبير وقدمت مسرحية عن ما حل بها من دمار وخراب بعنوان ( فم الحوت) وللكبار مسرحية ( قيامة البحر)، وفي أدب الكبار لخصت معاناتي ومعاناة أهل المدينة في رواية للكبار اسميتها ( أرض الهلكروت) في اللغة الآرامية أي الأرض .
س: ملخص حياتك في سطر ؟
ج/ إنسان قبل أن أكون فنان أو كاتب، عندي رسالة ومشروع وصل عدد كتبي التي طبعت أكثر من ( 102) كتاب ما بين قصة ومسرحية ورواية.
س: كيف ترى المسابقات الأدبية؟
ج/ كما هو معلوم إن المسابقات الأدبية تُعد من الركائز الأساسية التي تسهم في تعزيز النشاط الثقافي والإبداع الأدبي في المجتمعات، مما تخلق حواراً ثقافياً مثرياً وبيئة تنافسية تشجع الكتّاب على تقديم أفضل ما لديهم. هذا التحفيز يسهم في إطلاق العنان للإبداع وتطوير أفكار جديدة وأساليب مبتكرة في الكتابة، إذن فهي ليست مجرد فعاليات تنافسية بل أدوات فعالة لتطوير المهارات وتقدير الإبداع وتشجيع الإنتاج الأدبي كما أنها تسهم في تعزيز ثقافة القراءة والكتابة في المجتمع بشكل عام، ينتج عنه ( تعزيز الإبداع والابتكار)و(اكتشاف المواهب الشابة) و(تعزيز القراءة والكتابة) و(دعم القضايا الاجتماعية والثقافية) و(تعزيز الثقة بالنفس) و(تشجيع التفاعل الثقافي)، من النقطة الأخيرة أقول مما يؤسف في المسابقات الأدبية العربية تلعب العلاقات الشخصية دورها في نتائج من يفوز بتلك المسابقات ، ما يحزن أن التقييم لم يخضع للإبداع بل لمآرب أخرى.
في الختام نتمنى للأديب الفنان جدعان أن يحقق ما يصبو إليه في طبع مؤلفاته المسرحية سواء للصغار أو الكبار ، أو أن يجد من يتبنى مشاريعه المسرحية لتقديمها على خشبة المسرح.
مجلة إيلزا الأدبية للإناث الجزائرية
المؤسسة بشرى دلهوم الجزائرية
الأديب والفنان العراقي – عبدالله جدعان – سيرة إبداع
حاوره: أسماء أقيس
تعليقات
إرسال تعليق