حوار صحفي مع كاتبة مبدعة
مجلة إيلزا الأدبية للإناث الجزائرية
لكل إنسان بصمة خاصة، ورحلة تتشكل بتجارب الحياة ومحطات الإبداع. هناك من يختار أن يكون عابرًا، وهناك من يسعى ليترك أثرًا يبقى بعده. في هذا الحوار، نسلط الضوء على إحدى الكاتبات اللواتي حوّلن الشغف إلى رسالة، والأحلام إلى واقع ملموس. في درب الأدب، واجهت التحديات، وتشبثت بقلمها حتى أصبح صوتها حاضرًا في عالم الإبداع. اليوم، نقترب منها أكثر، لنتعرف على تفاصيل رحلتها، مصادر إلهامها، وما تخبئه لنا من طموحات وأحلام.
الاسم /نسرين مشاعلة
الجنسية /أردنية
الموهبة /كاتبة ومؤلفة روايات وقصص وكاتبة سيناريو
س/ مرحبًا بكِ في مجلة إيلزا الأدبية، سعداء باستضافتك معنا اليوم. بداية، كيف تعرفين نفسك لجمهورنا بدون ذكر اسمك؟
ج/
امرأة تعبر العالم بالكلمات، وتعيد تشكيله بما تستطيع من المعنى. أكتب لأفهمه أكثر، ولأبقى قادرة على احتماله دون أن أضيع داخله.
س/ متى بدأت رحلتك مع الكتابة، وما الذي دفعك إلى هذا العالم؟
ج/ منذ سنٍ مبكرٍ للغاية، في المدرسة، وتحديدًا في عمر الثانية عشرة. بعد قراءتي لقصة «بائعة الكبريت» لـ Hans Christian Andersen بكيت كثيرًا، لأنني شعرت بالعجز عن إنقاذها. يومها أردت أن أعيد كتابة القصة لأُحييها، وايقنت أن الكاتب أراد أن يستفزنا، أن يدفعنا لنُنقذ شخوصه الخيالية حين نلتقي بها على أرض الواقع.
س/ ما هو أول عمل كتبته؟ وهل تتذكرين مشاعرك عند نشره لأول مرة؟
ج/
ج/ قصة قصيرة بعنوان «نداء الورد»، تحكي عن فتاة أسيرة في السجون الصهيونية، بعمر الورد، تنادي خلف القضبان، صوتها بحّ من النداء ولا يسمعه أحد.
عند نشرها لأول مرة شعرت أنني أنجزت شيئًا حقيقيًا، وكأنني سمعت ذلك النداء وحدي وكتبته كي يصل، كي يُسمَع، وكأن الكتابة كانت محاولة لاستعارة ذاك النداء وتحويله إلى صرخة مسموعة
س/ من هو الكاتب أو الكتاب الذي كان له التأثير الأكبر على أسلوبك الأدبي؟
ج/
ج/ كانت الكاتبة هارييت بيتشر ستو وروايتها كوخ العم توم من أكثر الأعمال التي أثّرت في أسلوبي الأدبي.
أدهشني فيها قدرتها على تحويل الكتابة إلى أثر حيّ، يصل إلى الناس ويحرّك نظرتهم للعالم ويترك فيهم أثرًا يتجاوز القراءة. هذا الإحساس بأن النص يمكن أن يتحول إلى صوت مؤثر ظل جزءًا من طريقتي في الكتابة، ودفعني دائمًا للبحث عن أثر يبقى بعد الكلمات.
س/ هل واجهتِ صعوبات في بداية مسيرتك الأدبية؟ وكيف تغلبتِ عليها؟
ج/
ج/ صعوبات كثيرة، هذا الطريق صعب وطويل في عالمنا العربي. ستسير فيه وحدك، لن يؤمن بك أحد في البداية، لن يقدم لك أحد دعمًا، وقد تتعرض للتجاهل كثيرًا.
لكن الإصرار على الكتابة كان أقوى من كل ذلك. كنت أعود إلى الكتابة في كل مرة كأنه المكان الوحيد الذي يمنحني القوة، مع الوقت صار كل تجاهل دافعًا للاستمرار، وصار كل صمت حولي سببًا إضافيًا لأكتب أكثر وأعمق، وأقرب إلى ما أريد قوله.
س/ من أين تستلهمين أفكار أعمالك الأدبية؟
ج/
ج/ من كل شيء ومن اللاشيء. من الحياة والإنسان والخيال، وحتى الفراغ.
الإلهام يحيط بنا من كل جانب، لكن يحتاج إلى عينٍ ترى بعمق، وقلبٍ ينتبه للتفاصيل الصغيرة، وخيالٍ لا يخاف أن يذهب بعيدًا. أحيانًا تأتي الفكرة من مشهد عابر، وأحيانًا من صمت طويل يشبه الفراغ، ثم يتحول كل ذلك إلى نصّ عندما أسمح للخيال أن يقودني.
س/ هل لديك طقوس معينة أثناء الكتابة؟
ج/ أحب الكتابة في الشتاء، حين يطرق المطر نافذتي بهدوء.
أختار مكانًا هادئًا يساعدني على الانفصال عن الواقع، حتى أستطيع التجول بحرية داخل عالم الرواية.
س/ كيف تصفين علاقتك بشخصيات أعمالك؟ هل تفرض عليك مسار الأحداث أم أنكِ تتحكمين بها؟
ج/
ج/ أترك لشخصياتي مساحة واسعة لتبوح وتتحرك كما تريد. أتعامل معها ككائنات حية داخل النص، لها رغباتها وقراراتها التي قد تتجاوز تخطيطي أحيانًا.
إحدى شخصيات روايتي «مراتع الظلام» كان من المفترض أن تكون طيبة، لكنها أصرّت خلال الكتابة أن تسلك طريقًا مختلفًا، وأن تكون في الجانب المظلم من الحكاية، وكأنها قررت مصيرها بنفسها داخل النص.
س/ هل تفضلين الكتابة في أوقات معينة من اليوم؟ ولماذا؟
ج/
ج/ في وقت متأخر من الليل أو في ساعات الفجر الأولى.
الازعاج عدوي اللدود
في الليل يهدأ كل شيء، ويصبح الصمت أكثر اتساعًا، فتقترب الأفكار دون ضجيج. وفي الصباح الباكر يكون العالم نقيًا وبعيدًا عن ازدحام اليوم، وكأن اللغة والخيال يصبحان أكثر صدقًا في تلك اللحظات.
س/ ما هو العمل الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
ج/
ج/ قصة قصيرة قيد النشر مقتبسة عن حياة رجل شجاع.
هي الأقرب إلى قلبي، ربما لأنني كتبتها كما عشتها، وكنت أختزل كثيرًا من المشاعر تجاهها، خصوصًا بعد رحيل الشخصية عن عالمنا، وعدم قدرتي على التعبير عن حزني في لحظتها.
أظن أنني في الكتابة فرّغت كل هذا الحزن، وتركته يتحول إلى كلمات بدل الدموع.
س/ كيف ترين تطور أسلوبك الأدبي منذ بدايتك حتى اليوم؟
ج/
ج/ أنا أستمر في النمو ولا أتوقف.
أسلوبي يتغير مع التجربة والوقت، وكل عمل أكتبه يضيف طبقة جديدة لفهمي ولطريقتي في التعبير، وكأن الكتابة نفسها تمشي معي وتكبر في الاتجاه نفسه.
س/ هل تعتمدين على تجاربك الشخصية في أعمالك أم تفضلين الخيال المطلق؟
ج/
ج/ كلاهما.
أستند أحيانًا إلى تجاربي الشخصية لأنها تمنح النص صدقًا قريبًا من الروح، وأحيانًا أذهب إلى الخيال لأنه يفتح مساحات أوسع مما يمكن أن تعيشه التجربة وحدها. بين الاثنين تتكوّن الحكاية كما أراها وأكتبها.
س/ ما القضايا التي تحرصين على تناولها في كتاباتك؟
ج/
القضايا الانسانية.
سأبقى دائمًا وفيّة للإنسان في ضعفه وقوته، للمهمشين، للمشردين، للفقراء، للحالمين بالحرية، وللمنكودين، لكل من يمرّ بصمتٍ ولا يُرى، ولكل صوتٍ خافتٍ يحتاج من يمنحه شكلًا وكلمة.
س/ كيف ترين دور الأدب في معالجة القضايا الاجتماعية؟
ج/ دور الأدب بشكل عام بطيء، لكنه عميق.
لا يغيّر الواقع بشكل مباشر وسريع، لكنه يترك أثرًا يتراكم داخل الوعي، ويعيد تشكيل طريقة رؤية الناس لقضاياهم ولأنفسهم مع الوقت.
س/ هل تؤمنين بأن الكاتب مسؤول عن توجيه رسالة معينة من خلال أعماله؟
ج/
ج/ أظن أن الكاتب في جوهره يبحث عن أجوبة، ويطرح أسئلة في الوقت نفسه.
ليس بالضرورة أن يقدّم رسائل جاهزة، لكنّه يترك أثرًا يدفع القارئ للتفكير، ويمنحه مساحة ليكتشف المعنى بنفسه.
س/ في رأيك، هل الأدب اليوم ما زال يحظى بنفس التأثير الذي كان له في الماضي؟
ج/
ج/ التأثير ما زال موجودًا، لكن تغيّر شكله.
الأدب اليوم لا يصل بالصوت نفسه الذي كان في الماضي، لكنه ما زال قادرًا على لمس الفرد، وإثارة الأسئلة، وترك أثر هادئ يتسلل مع الوقت. قد لا يكون صاخبًا كما كان، لكنه أكثر تنوعًا واتساعًا في طرق وصوله إلى الناس.
س/ كيف تتعاملين مع النقد، سواء كان إيجابيًا أو سلبيًا؟
ج/
ج/ لا أنزعج إطلاقًا من النقد، ما دام هدفه البناء لا الهدم والنصح لا قصّ الأجنحة أو محاولة التدمير.
أستمع له بهدوء، وأميّز بين ما يمكن أن يضيف إلى تجربتي، وما لا يعكسها بشكل حقيقي.
س/ ما أكبر التحديات التي تواجه الأدباء في عصرنا الحالي؟
ج/
ج/ كل شيء تقريبًا، من الطباعة إلى النشر إلى الترويج وبناء قاعدة قرّاء.
لم يعد التحدي في الكتابة وحدها، إنما في إيصال العمل إلى الناس وسط هذا الزخم الكبير، والحفاظ على صوت الكاتب في مساحة مزدحمة ومفتوحة على كل الاتجاهات.
س/ هل ترين أن النشر الإلكتروني أصبح تهديدًا أم فرصة للأدباء؟
ج/
ج/ أراه فرصة، رغم أنني أميل إلى الكتاب الورقي أكثر.
النشر الإلكتروني يفتح مساحة واسعة للانتشار، ويقلّل التكاليف، ويمنح الكاتب وصولًا أسرع إلى القرّاء، ويظلّ للكتاب الورقي حضوره الخاص ومذاقه المختلف.
س/ هل تعملين حاليًا على عمل جديد؟ وهل يمكننا معرفة بعض التفاصيل عنه؟
ج/
ج/ نعم، أعمل حاليًا على روايتي الثالثة، وهي تدور حول عالم النساء.
سأخوض فيها في العلاقات بكل تعقيداتها وتناقضاتها، وفي أحلام النساء حين تكون كبيرة وهادئة ومؤجلة، وفي بؤسهن الذي يتشكّل أحيانًا من تفاصيل صغيرة لا تُرى من الخارج.
هي محاولة للاقتراب من الداخل الإنساني للمرأة، من صراعاتها اليومية، ومن تلك المساحات التي تُخفي فيها ما لا يُقال، وتعيش فيه ما لا يُفهم بسهولة.
س/ ما طموحاتك المستقبلية في عالم الكتابة؟
ج/
ج/ أن أترك خلفي أثرًا مُلهمًا يبقى بعدي.
أنا لا أطارد الشهرة، بقدر ما أبحث عن نصوص تلامس الإنسان وتوقظه من سباته، أو تجد قارئًا يملك أجوبة لأسئلة لم يلتقِ بها من قبل، وتمنحه لحظة إدراك مختلفة.
س/ هل لديك نصيحة تقدّمينها للكتّاب الشباب الذين يسعون لدخول عالم الأدب؟
ج/
ج/ امضِ ولا تتردد.
اكتب حتى لو لم يُسمع صوتك في البداية، وامنح نفسك الوقت لتتعلم وتخطئ وتعيد المحاولة. الطريق في الكتابة يحتاج صبرًا طويلًا، لكن الاستمرار فيه يصنع الصوت الحقيقي مع الوقت.
س/ كلمة أخيرة لجمهورك ولمن يتابع أعمالك؟
ج/
وجودكم يجعل النص حيًّا، ويمنحه معنى يتجاوز الكاتب نفسه. أتمنى أن تبقى الكتابة مساحة لقاء بيننا، ومساحة سؤال ودهشة لا تنتهي.
في النهاية،
إن الأدب ليس مجرد كلمات تُكتب، بل هو انعكاس للروح وتجسيد للأفكار التي تشكل وعينا. في رحلة ضيفتنا اليوم، رأينا كيف يمكن للشغف أن يصنع الفرق، وكيف للإصرار أن يكون مفتاحًا للأبواب المغلقة. الأحلام لا تعرف المستحيل، والكتابة تظل واحدة من أعظم أدوات التعبير والتغيير. نشكر كاتبتنا المبدعة على هذا الحوار الملهم، ونتمنى لها مزيدًا من النجاح والإبداع في مسيرتها الأدبية.
#مؤسسة مجلة إيلزا الأدبية الجزائرية #
#المديرة التنفيذية بشرى دلهوم #
#المستشارة الإدارية لبنى ملال #
#المسؤولة الأولى وئام دحماني #
تعليقات
إرسال تعليق